مقدّمة السيّد الشريف الرّضي(رضي الله عنه)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ
أمّا بَعْـدُ ، حَمْدِ اللهِ الّذِي جَعَلَ الحَمْدَ ثَمَناً لِنَعَمائِهِ ، وَ مَعاذاً مِنْ بَلائِهِ ، وَ وَسِيلاً إلى جَنانِهِ ، وَ سَبَباً لِزيادَةِ إحسانِهِ .
وَ الصَّلاةُ عَلى رَسُولِهِ نَبِيِّ الرَّحمَةِ ، وَ إمامِ الأئِمَّةِ ، وَ سِراجِ الأُمَّةِ ، المُنْتَخَبِ مِن طِينَةِ الكَرَمِ ، وَ سُلالَةِ المَجدِ الأَقدَمِ ، وَ مَغرِسِ الفِخارِ المُعْرِق ، وَ فَرعِ العَلآءِ المُثمِرِ المُورِقِ .
وَ عَلى أهلِ بَيتِهِ مَصابِيحِ الظُّلَمِ ، وَ عِصَمِ الأُمَمِ ، وَ مَنارِ الدِّينِ الواضِحَةِ ، وَ مَثاقِيلِ الفَضلِ الراجِحَةِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِم أجْمَعِينَ ، صَلاةً تَكُونُ إزاءً لِفَضْلِهِمْ ، وَ مُكافَأَةً لِعَمَلِهِم ، وَ كِفآءً لِطِيبِ فَرْعِهِمْ وَ أصْلِهِمْ ، ما أنار فَجرٌ ساطِعٌ ، وَ خَوى نَجمٌ طالِعٌ .
فَإِنِّي كُنتُ فِي عُنْفَوانِ السِّنِ ، وَ غَضاضَةِ الغُصْنِ ، اِبْتَدِأْتُ بِتَأْلِيفِ كِتاب فِي خَصائِصِ الأئِمَّةِ(عليهم السلام) يَشْتَمِلُ عَلى مَحاسِنِ أخْبارِهِمْ وَ جَواهِرِ
كَلامِهِمْ ، حَدانِي عَلَيهِ غَرَضٌ ذَكَرْتُهُ فِي صَدْرِ الكِتابِ . وَ عَلِيّاً (عليه السلام) ، وَ عاقَتْ عَنْ إتْمامِ بَقِيَّةِ الْكِتابِ مُحاجَزاتُ الزَّمانِ ]الأيَّامِ [وَ مُماطِلاتُ الأيَّامِ ]الزَّمانِ[ . وَ كُنْتُ قَدْ بَوَّبْتُ ما خَرَجَ مِنْ ذلِكَ أبْواباً ، وَ فَصَّلْتُهُ فُصُولاً ، فَجاءَ فِي آخِرِها فَصلٌ يَتَضَمَّنُ مَحاسِنَ ما نُقِلَ عَنْهُ (عليه السلام)مِنَ الْكَلامِ القَصِيرِ فِى المَواعِظِ وَ الحِكَمِ وَ الأَمْثالِ وَ الآدابِ ; دُونَ الْخُطَبِ الطَّويِلَة ، وَ الكُتُبِ المَبْسُوطَةِ .
فَاسْتَحْسَنَ جَماعَةٌ مِنَ الأَصدِقاءِ وَ الإخْوانِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيهِ الفَصلُ المُقَدَّمُ ذِكْرُهُ ، مُعْجِبِينَ بِبَدآئِعِهِ ، وَ مُتَعَجِّبِينَ مِنْ نَواصِعِهِ ، وَ سَأَلُونِي عِندَ ذلِكَ أنْ أبْدَأَ بِتَأْلِيفِ كِتاب يَحْتَوِي عَلى مُخْتارِ كَلامِ مَولانا أمِيرِالمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي جَمِيعِ فُنُونِهِ ، وَ مُتِشَعِّباتِ غُصُونِهِ : مِنْ خُطَب ، وَ كُتُب ، وَ مَواعِظ ، وَ أَدَب ، عِلْماً أنَّ ذلِكَ يَتَضَمَّنُ مِنْ عَجائِبِ البَلاغَةِ ، وَ غَرائِبِ الفَصاحَةِ ، وَ جَواهِرِ العَرَبِيَّةِ ، وَ ثَواقِبِ الكَلِمِ الدِّينِيَّةِ وَ الدُّنْيَوِيَّةِ ، ما لايُوجَدُ مُجْتَمِعاً فِي كَلام ، وَ لامَجْمُوعَ الأطْرافِ فِي كِتاب ; إِذْ كانَ أمِيرُالمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)مَشْرَعَ الفَصاحَةِ وَ مَورِدَها ، وَ مَنْشَأَ البَلاغَةِ وَ مَولِدَها ; وَ مِنهُ (عليه السلام)ظَهَرَ مَكنُونِها ، وَ عَنهُ أُخِذَتْ قوانِينُها ; وَ عَلى أمْثِلَتِهِ حَذا كُلُّ قائِل خَطِيب ، وَ بِكَلامِهِ اسْتَعانَ كُلُّ واعِظ بَلِيغ . وَ مَعَ ذلِكَ فَقَدْ سَبَقَ وَ قَصَّرُوا ، وَ قَدْ تَقَدَّمَ وَ تَأَخَّرُوا ، لأَنَّ كَلامَهُ (عليه السلام)الكَلامُ الَّذِي عَلَيهِ مَسْحَةٌ مِنَ العِلْمِ الإِلهِيِّ ، وَ فِيهِ عَبْقَةٌ مِنَ الكَلامِ النَّبَوِيِّ .
فَأجَبْتُهُمْ إلَى الإبْتِداءِ بِذلِكَ ، عالِماً بِما فِيهِ مِنْ عَظِيمِ النَّفْعِ ، و مَنْشُورِ الذِّكْرِ ، وَ مَذْخُورِ الأَجْرِ . وَ اعْتَمَدتُ بِهِ أنْ أُبَيِّنَ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِ أمِيرِالمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي هذِهِ الفَضِيلَةِ ، مُضافَةً إِلَى المَحاسِنِ الدَّثْرَةِ وَ الْفَضائِلِ الجَمَّةِ . وَ أَنَّهُ (عليه السلام) انْفَرَدَ بِبُلُوغِ غايَتِها عَنْ جَمِيعِ السَّلَفَ الأَوَّلِينَ ، الَّذِينَ إِنَّما يُؤْثَرُ عَنهُمْ مِنها القَلِيلُ النّادِرُ ، وَ الشّاذُ الشّارِدُ ، فَأَمّا كَلامُهُ فَهُوَ الْبَحْرُ الَّذِي لايُساجَلُ ، وَ الجَمُّ الَّذِي لايُحافَلُ ، وَ أَرَدْتُ أَنْ يُسَوِّغَ لِيَ التَّمَثُلَ فِى الإفْتِخارِ بِهِ (عليه السلام)]صَلَواتُ اللهِ عَلَيهِ [بِقَولِ الْفَرَزْدَقِ:
أُولئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ *** إِذا جَمَعتْنا يا جَرِيرُ المَجامِعُ
وَ رَأَيْتُ كَلامَهُ (عليه السلام) يَدُورُ عَلى أقْطاب ثَلاثَة:
أَوَّلُها الخُطَبُ وَ الأَوامِرُ ،
وَ ثانِيَها: الكُتُبُ وَ الرَّسائِلُ ،
وَ ثالِثُها: الحِكَمُ وَ المَواعِظُ ;
فَاَجْمَعتُ بِتَوفِيقِ اللهِ تَعالى عَلَى الإبْتِداءِ بِاخْتِيارِ مَحاسِنِ الخُطَبِ ، ثُمَّ مَحاسِنِ الكُتُبِ ، ثُمَّ مَحاسِنِ الحِكَمِ وَ الأَدَبِ ، مُفْرَداً لِكُلِّ صِنْف مِنْ ذلِكَ باباً ، وَ مُفَصَّلاً فِيهِ أوْراقاً ، لِتَكُونَ مُقَدِّمَةً لاِسْتِدراكِ ماعَساهُ يَشُذُّ عَنِّي عاجِلاً ، وَ يَقَعُ إِلَيَّ آجِلاً . وَ إِذا جاءَ شَىْءٌ مِنْ كَلامِهِ (عليه السلام)الْخارِجُ فِي أَثناءِ حِوار ، أوْ جَوابِ سُؤال ، أوْ غَرَض آخَرَ مِنَ الأَغراضِ ـ فِي غَيرِ الأَنْحاءِ الَّتِي ذَكَرتُها ، وَ قَرَّرْتَ القاعِدَةِ عَلَيها ـ نَسَبْتُهُ إِلى أَلْيَقِ الأَبوابَ بِهِ ، وَ أَشَدِّها مُلامَحَةً لِغَرَضِهِ . وَ رُبَّما جاءَ فِيما أَختارُهُ مِنْ ذلِكَ فُصُولٌ غَيرُ مُتَّسِقَة ، وَ مَحاسِنُ كَلِم غَيْرُ مُنْتَظِمَة ; لأَنِّي أورِدُ النُّكَتَ وَ اللُّمَعَ ، وَ لاأَقْصَدُ التَّتالِي وَ النَّسَقَ .
وَ مِنْ عَجائِبِهِ (عليه السلام) الَّتِي انْفَرَدَ بِها ، وَ أَمِنَ المُشارِكَةَ فِيها ، أنَّ كَلامَهُ الوارِدَ فِي الزُّهْدِ وَ المَواعِظِ ، وَ التَّذَكِيرِ وَ الزَّواجِرِ ، إذا تَأَمَّلَهُ المُتِأَمِّلُ وَ فَكَّرَ فِيهِ المُتِفَكِّرُ ، وَ خَلَعَ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ كَلامُ مِثْلِهِ مِمَّن عَظُمَ قَدْرُهُ ، وَ نَفِذَ أمْرُهُ ، وَ أَحاطَ بِالرِّقابِ مُلْكُهُ ، لَمْ يَعْتَرِضْهُ الشَّكُ فِي أَنَّهُ مِن كَلامِ مَنْ لا حَظَّ لَهُ فِي غَيْرِ الزِّهادَةِ ، وَ لاشُغْلَ لَهُ بِغَيرِ العِبادَةِ ، قَدْ قَبَعَ فِي كِسرِ بَيت ، أَوِ انْقَطَعَ إِلى سَفْحِ جَبَل ، وَ لايَسْمَعُ إلاّ حِسَّهُ ، وَ لايَرى إلاّ نَفْسَهُ ، وَ لايَكادُ يُوقِنُ بِأَنَّهُ كَلامُ مَنْ يَنْغَمِسُ فِى الْحَرْبِ مُصْلِتاً سَيْفَهُ ، فَيَقُطُّ ]فَيَقْطَعُ [الرِّقابَ ، وَ يُجَدِّلُ الأَبْطالَ ، وَ يَعُودُ بِهِ يَنْطِفُ دَماً ، وَ يَقْطُرُ مُهَجاً ، وَ هُوَ مَعَ تِلْكَ الحالِ زاهِدُ الزُّهّادِ ، وَ بَدَلُ الأَبْدالِ . وَ هذِهِ مِنْ فَضائِلِهِ العَجِيبَةِ ، وَ خَصائِصِهِ اللَّطِيفَةِ ، الَّتِي جَمَعَ بِها بَينَ الأَضدادِ ، وَ أَلَّفَ بَينَ الأَشْتاتِ ، وَ كَثِيراً ما أُذاكِرُ الإخْوانَ بِها، وَ أسْتَخْرِجُ عَجَبَهُمْ مِنها ، وَ هِيَ مَوضِعٌ لِلْعِبْرَةِ بِها ، وَ الْفِكْرَةِ فِيها.
وَ رُبَّما جاءَ فِي أثْناءِ هذَا الإخْتِيارِ الَّلَفْظُ المُرَدَّدُ ، وَ الْمَعْنَى المُكَرَّرُ ; وَ الْعُذْرُ فِي ذلِكَ أنَّ رِواياتِ كَلامِهِ (عليه السلام) تَخْتَلِفُ اخْتِلافاً شَدِيداً : فَرُبَّما اتَّفَقَ الْكَلامُ المُخْتارُ فِي رِوايَة فَنُقِلَ عَلى وَجْهِهِ ، ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذلِكَ فِي رِوايَة أُخْرى مَوضُوعاً غَيرَ وَضْعِهِ الأَوَّلِ: إمّا بِزِيادَة مُخْتارَة ، أوْ بِلَفْظ أَحْسَن عِبارَة ، فَتَقْتَضِى الحالُ أَنْ يُعادَ اسْتِظْهاراً لِلإخْتِيارِ ، وَ غَيْرةً عَلى عَقائِلِ الكَلامِ . وَ رُبَّما بَعُدَ الْعَهْدُ ـ أيضاً ـ بِما اخْتِيرَ أوَّلاً فَأُعِيدَ بَعْضُهُ سَهْواً أو نِسياناً ، لاقَصداً وَ اعْتِماداً .
وَ لاَ أَدَّعِي ـ مَعَ ذلِكَ ـ أَنِّي أُحِيطُ بِأَقْطارِ جَمِيعِ كَلامِهِ (عليه السلام) حَتّى لايَشُذَّ عَنِّي مِنْهُ شاذٌّ ، وَ لايَنِدَّ نادٌّ ، بَلْ لاأُبْعِدُ أَنْ يَكُونَ القاصِرُ عَنِّي فَوقَ الواقِعِ إِلَيَّ ، وَ الحاصِلُ فِي رِبْقَتِي دُونَ الخارِجُ مِنْ يَدَيَّ ; وَ ما عَلَيَّ إِلاّ بَذْلُ الجُهْدِ ، وَ بَلاغُ الوُسْعِ ، وَ عَلَى اللهِ سُبْحانَهُ ]وَ تَعالى [نَهْجُ السَّبِيلِ ، وَ إِرشْادِ الدَّلِيلِ ، إنْ شاءَ اللهُ .
وَ رَأَيْتُ مِنْ بَعْدُ تَسْمِيَةَ هذا الكِتابِ بـنَهْجُ الْبَلاغَةِ إذْ كانَ يَفْتَحُ لِلنّاظِرِ فِيهِ أبوابَها ، وَ يُقَرِّبُ عَلَيهِ طِلابَها . فِيهِ حاجَةُ العالِمِ وَ الْمُتِعَلِّمِ ، وَ بُغْيَةُ البَلِيغِ وَ الزّاهِدِ ، وَ يَمْضِي فِي أثْنائِهِ مِنْ عَجِيبِ الكَلامِ فِى التَّوحِيدِ وَ العَدْلِ ، وَ تَنْزِيهِ اللهِ سُبْحانَهُ ]وَ تَعالى[ عَنْ شَبَهِ الْخَلْقِ ، ما هُوَ بِلالُ كُلِّ غُلَّة ، وَ شِفاءُ كُلِّ عِلَّة ، وَ جَلاءُ كُلِّ شُبْهَة .
وَ مِنَ اللهِ سُبحانَهُ أسْتَمِدُّ التَّوفِيقَ وَ الْعِصْمَةَ ، وَ أتَنَجَّزُ التَّسْدِيدَ وَ الْمَعُونَةَ ، وَ اَسْتَعِيذُهُ مِنْ خَطاءِ الجَنانِ قَبْلَ خَطاءِ اللِّسانِ ، وَ مِنْ زَلَّةِ الكَلِمِ قَبْلَ زَلَّةِ القَدَمِ ، وَ هِوَحَسْبِي وَ نِعْمَ الوَكِيلُ.
بابُ الْمُخْتارِ مِنْ خُطَبِ أمِيرِالْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام) ،
وَ أوامِرِهِ، وَ يَدْخُلُ فِي ذلِكَ الْمُخْتارِ مِنْ
كَلامِهِ الْجارِي مَجْرَى الْخُطَبِ فِى الْمَقاماتِ
الْمَحْصُورَةِ ، وَ الْمَواقِفِ الْمَذْكُورَةِ ،
وَ الْخُطُوبِ الْوارِدَةِ
]وَ[ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
يَذْكُرُ فِيها اِبتداءَ خَلقِ السَّماءِ وَ الأَرضِ ، وَ خَلقِ آدَمَ
الحَمْدُ للهِ الَّذِي لا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ ، وَلا يُحْصِى نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ ، وَلا يُؤَدِّي حَقَّهُ المُجْتَهِدُونَ ، الَّذِي لا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ ، وَ لا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ ، وَ لا نَعْتٌ مَوْجُودٌ ، وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ ، وَلا أَجَلٌ مَمْدُودٌ . فَطَرَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ ، وَ نَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ ، وَ وَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ.
أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ، وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ ، وَ كَمَالُ التَّصْدِيقِ بهِ تَوْحِيدُهُ ، وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاِْخْلاصُ لَهُ ، وَ كَمَالُ الاِْخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّها غَيْرُ الْمَوْصُوفِ ، وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ . فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ ، وَ مَنْ قَرَنَهُ
فَقَدْ ثَنَّاهُ ، وَ مَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ ، وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ ، وَ مَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ ، وَ مَنْ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ ، وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ، وَ مَنْ قَالَ: «فِيمَ ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ ، وَ مَنْ قَالَ: «عَلاَمَ ؟» فَقَدْ أَخْلى مِنْهُ . كائِنٌ لا عَنْ حَدَث ، مَوْجُودٌ لا عَنْ عَدَم . مَعَ كُلِّ شَيْء لا بِمُقَارَنَة ، وَ غَيْرُ كُلِّ شَيْء لا بِمُزَايَلَة ، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَ الاْلَةِ، بَصِيرٌ إذْ لا مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ ، مُتَوَحِّدٌ إذْ لا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بهِ وَ لا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ.
أَنْشَأَ الْخَلْقَ إنْشَآءً ، وَ ابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً ، بِلاَ رَوِيَّة أَجَالَهَا ، وَ لا تَجْرِبَة اسْتَفَادَهَا ، وَ لا حَرَكَة أَحْدَثَها ، وَ لا هَمَامَةِ نَفْس اضْطَرَبَ فِيهَا . أَحَالَ الاَْشْيَاءَ لاَِوْقَاتِها ، وَ لائَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا ، وَ غَرَّزَ غَرائِزَهَا ، وَ ألْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا ، عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا ، مُحِيطاً بِحُدُودِها وَ انْتِهَائِهَا ، عَارفاً بِقَرائِنِهَا ، وَ أَحْنَائِهَا .
ثُمَّ أَنْشَأَ ـ سُبْحَانَهُ ـ فَتْقَ الاَْجْواءِ ، وَ شَقَّ الاَْرْجَاءِ ، وَ سَكَآئِكَ الْهَوَاءِ ، فَأَجْرَى فِيهَا مَاءً مُتَلاطِماً تَيَّارُهُ ، مُتَرَاكِماً زَخَّارُهُ . حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ ، وَ اَلزَّعْزَعِ الْقَاصِفَةِ ، فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ ، وَ سَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ ، وَ قَرَنَهَا إلَى حَدِّهِ . الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِها فَتِيقٌ ، وَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ . ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا ، وَ أَدَامَ مُرَبَّهَا ، وَ أَعْصَفَ مَجْرَاها ، وَ أَبْعَدَ مَنْشَاهَا ، فَأَمَرَها بِتَصْفِيقِ الْمَاءِ الزَّخَّارِ ، وَ إِثَارَةِ مَوْجِ
الْبِحَارِ ، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ ، وَ عَصَفَتْ بهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ . تَرُدُّ أَوَّلَهُ إلَى آخِرِهِ ، وَ سَاجِيَهْ إلَى مَائِرِهِ ، حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ ، وَ رَمَى بالزَّبَدِ رُكَامُهُ ، فَرَفَعَهُ فِي هَواء مُنْفَتِق ، وَ جَوٍّ مُنْفَهِق ، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَاوَات جَعَلَ سُفْلاَهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً ، وَ عُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً ، وَ سَمْكاً مَرْفُوعاً ، بِغَيْرِ عَمَد يَدْعَمُهَا ، وَ لا دِسَار يَنْظِمُهَا . ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَواكِبِ ، وَ ضِيَاءِ الثَّواقِبِ ، وَ أَجْرَى فِيهَا سِرَاجاً مُسْتَطِيراً ، وَ قَمَراً مُنِيراً في فَلَك دَآئِر ، وَ سَقْف سَآئِر ، وَ رَقِيم مَآئِر .
ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ الْعُلاَ ، فَمَلاََهُنَّ أَطْواراً مِنْ مَلائِكَتِهِ ، مِنْهُمْ سُجُودٌ لا يَرْكَعُونَ ، وَ رُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ ، وَ صَآفُّونَ لا يَتَزاَيَلُونَ ، وَ مُسَبِّحُونَ لا يَسْأَمُونَ ، لا يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ ، وَ لا سَهْوُ الْعُقُولِ ، وَ لا فَتْرَةُ الأَبْدَانِ ، وَ لا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ . وَ مِنْهُمْ أُمَنَآءُ عَلَى وَحْيِهِ ، و أَلْسِنَةٌ إلَى رُسُلِهِ ، وَ مُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَ أَمْرِهِ . وَ مِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ ، وَ السَّدَنَةُ لاَِبْوابِ جِنَانِهِ . وَ مِنْهُمُ الثَّابِتَةُ فِى الاَْرَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ ، وَ الْمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ ، وَ الْخَارِجَةُ مِنَ الاَْقْطارِ أَرْكانُهُمْ ، وَ الْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ . نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ ، مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ ، وَ أَسْتَارُ الْقُدْرَةِ . لا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بالتَّصْوِيرِ ، وَ لا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِينَ ، وَ لا يَحُدُّونَهُ بِالأَمَاكِنِ ، وَ لا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ .
مِنها فِي صِفَةِ خَلْقِ آدَمَ عليه السلام
ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الاَْرْضِ وَ سَهْلِهَا ، وَ عَذْبِهَا وَ سَبَخِهَا ، تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ ، وَ لاطَهَا بِالْبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ ، فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذاتَ أَحْنَاء وَ وُصُول ، وَ أَعْضَاء وَ فُصُول . أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ ، وَ أَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ ، لِوَقْت مَعْدُود ، وَ أجَل ]أَمَد [مَعْلُوم ; ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إنْساناً ذَا أَذْهَان يُجيلُهَا ، وَ فِكَر يَتَصَرَّفُ بِهَا ، وَ جَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا ، وَ أَدَوَات يُقَلِّبُهَا ، وَ مَعْرِفَة يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ ، وَ الاَْذْوَاقِ وَ الْمَشامِّ ، والاْلْوان وَ الاَْجْنَاسِ ، مَعْجُوناً بطِينَةِ الألْوْانِ المُخْتَلِفَةِ ، وَ الأَشْبَاهِ المُؤْتَلِفَةِ ، وَ الاَْضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ ، وَ الاَْخْلاطِ الْمُتَبَايِنَةِ ، مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ ، وَ الْبَلَّةِ وَ الْجُمُودِ ، وَ الْمَسْائَةِ وَ السُّرورِ ، وَ اسْتَأْدَى اللهُ سُبْحَانَهُ الْمَلائِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ ، وَ عَهْدَ وَصِيَّتِهِ إلَيْهِمْ ، في الاِْذْعَان بِالسُّجُودِ لَهُ ، وَ الخُشُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (اسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِيسَ (1))، اعْتَرَتْهُ الْحَمِيَّةُ ، وَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ ، وَ تَعَزَّزَ بِخِلْقَةِ النَّارِ ، وَ اسْتَوْهَنَ خَلْقَ الصَّلْصَالِ ، فَأَعْطَاهُ اللهُ النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ ، وَ اسْتِتْمَاماً لِلْبَلِيَّةِ ، وَ إنْجازاً لِلْعِدَةِ ، فَقَالَ: (إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ إلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (2)) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ1- القرآن الكريم، سورة البقرة (2): 34.
2- القرآن كريم، سورة الاعراف (7): 15.
ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أَرْغَدَ فِيها عِيشَتَهُ ، وَ آمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ ، وَ حَذَّرَهُ إبْلِيسَ وَ عَدَاوَتَهُ ، فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْمُقَامِ ، وَ مُرَافَقَةِ الاَْبْرَارِ ، فَباعَ الْيَقِينَ بِشَكِّهِ ، وَ الْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ ، وَ اسْتَبْدَلَ بِالْجَذَلِ وَجَلا ، وَ بِالاِغْتِرَارِ نَدَماً . ثُمَّ بَسَطَ اللهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي تَوْبَتِهِ ، وَ لقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ ، وَ وَعَدَهُ الْمَرَدَّ إلَى الجَنَّةِ ، وَ أهْبَطَهُ إلَى دَارِ الْبَلِيَّةِ ، وَ تَنَاسُلِ الذُّرِّيَّةِ .
وَ اصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ أخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ ، وَ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إلَيْهِمْ ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ ، وَ اتَّخَذُوا الاَْنْدَادَ مَعَهُ ، وَ احْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ ، وَ اقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ ، فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ ، وَ وَاتَرَ إلَيْهِمْ أنْبِيَاءَهُ ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ ، وَ يُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ ، وَ يَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بالتَّبْلِيغِ ، وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ ، وَ يُرُوهُمْ الآيَاتِ الْمُقَدَّرَةِ : مِنْ سَقْف فَوْقَهُمْ مَرْفُوع ، وَ مِهَاد تَحْتَهُمْ مَوْضُوع ، وَ مَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ ، وَ آجَال تُفْنِيهمْ ، وَ أَوْصَاب تُهْرِمُهُمْ ، وَ أَحْدِاث تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ ; وَ لَمْ يُخْلِ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَل ، أَوْ كِتَاب مُنْزَل ، أوْ حُجَّة لازِمَة ، أَوْ مَحَجَّة قَائِمَة : رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ ، وَ لا كَثْرَةُ الْمُكَذِّبِينَ
لَهُمْ . مِنْ سَابِق سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ ، أَوْ غَابِر عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ . عَلَى ذلِكَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ ، وَ مَضَتِ الدُّهُورُ ، وَ سَلَفَتِ الآبَاءُ ، وَ خَلَفَتِ الاَْبْنَاءُ ، إلَى أَنْ بَعَثَ اللهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ الله(صلى الله عليه وآله) لاِِنْجَازِ عِدَتِهِ ، وَ تَمَامِ نُبُوَّتِهِ ، مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ ، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ ، كَرِيماً مِيلادُهُ . وَ أَهْلُ الاَْرْضِ يَوْمَئِذ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ ، وَ أَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ ، وَ طَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ ، بَيْنَ مُشَبِّه للهِ بِخَلْقِهِ ، أَوْ مُلْحِد في اسْمِهِ ، أَوْ مُشِير إلَى غَيْرِهِ ، فَهَداهُمْ بهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ ، وَ أَنْقَذَهُمْ بِمَكانِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ .
ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمُحَمَّد(صلى الله عليه وآله) لِقَاءَهُ ، وَ رَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ ، وَ أَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا ، وَ رَغِبَ بِهِ عَنْ مَقَارِنَةِ الْبَلْوَى ، فَقَبَضَهُ إلَيْهِ كَرِيماًـ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ ـ ، وَ خَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الاَْنْبِيَاءُ في أُمَمِها ، إذْ لَمْ يَتْرُكوهُمْ هَمَلا ، بغَيْر طَريق وَاضِح ، وَلا عَلَم قَائِم : كِتَابَ رَبِّكُم : مُبَيِّناً حَلالَهُ وَ حَرَامَهُ ، وَ فَرَائِضَهُ وَ فَضَائِلَهُ ، وَ نَاسِخَهُ وَ مَنْسُوخَهُ ، وَ رُخَصَهُ وَ عَزَائِمَهُ ، وَ خَاصَّهُ وَ عامَّهُ ، وَ عِبَرَهُ وَ أَمْثَالَهُ ، وَ مُرْسَلَهُ وَ مَحْدُودَهُ ، وَ مُحْكَمَهُ وَ مُتَشَابِهَهُ ، مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ ، وَ مُبَيِّناً غَوَامِضَهُ ، بَيْنَ مَأْخُوذ مِيثَاقُ عِلْمِهِ ، وَ مُوَسَّع عَلَى الْعِبَادِ في جَهْلِهِ ، وَ بَيْنَ مُثْبَت في الْكِتَابِ فَرْضُهُ ، وَ مَعْلُوم في السُّنَّةِ نَسْخُهُ ، وَ واجِب في السُّنَّةِ أَخْذُهُ ، وَ مُرَخَّص في الْكِتابِ تَرْكُهُ ، وَ بَيْنَ وَاجِب بَوَقْتِهِ ، وَزَائِل في مُسْتَقْبَلِهِ . وَ مُبَايَنٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ ، مِنْ كَبير أوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ ، أَوْ صَغِير أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ ، وَبَيْنَ مَقْبُول في أَدْنَاهُ مُوَسَّع في أَقْصَاهُ .
مِنها فِي ذِكْرِ الحَجِّ
وَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلاَْنامِ ، يَرِدُونَهُ وُرُودَ الاَْنْعَامِ ، وَ يَأْلَهُونَ إلَيْهِ وُلُوهَ الْحَمَامِ ، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلاَمَةً لِتَوَاضُعِهمْ لِعَظَمَتِهِ ، وَ إذْعَانِهمْ لِعِزَّتِهِ ، وَ اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إلَيْهِ دَعْوَتَهُ ، وَ صَدَّقُوا كَلِمَتَهُ ، وَ وَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ ، وَ تَشَبَّهُوا بِمَلاَئَكَتِهِ الْمُطِيفِينَ بِعَرْشِهِ . يُحْرِزُونَ الاَْرْبَاحَ في مَتْجَرِ عِبادَتِهِ ، وَ يَتَبادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ ، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لِلإِسْلاَمَ عَلَماً ، وَ لِلْعَائِذِينَ حَرَماً ، فَرَضَ حَجَّهُ ، وَ أَوْجَبَ حَقَّهُ ، وَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَ للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(1)) .
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
بَعدَ انْصِرافِهِ مِنْ صِفِّينَ
أَحْمَدُهُ اسْتِتْمَاماً لِنِعْمَتِهِ ، وَ اسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ ، وَ اسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَ أَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إلَى كِفَايَتِهِ ; إنِّهُ لا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ ، وَلا يَئِلُ مَن عَادَاهُ ، وَ لا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ ; فَإنَّهُ أَرْجَحُ ما وُزنَ ، وَ أَفْضَلُ مَا خُزِنَ . وَ أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، شَهَادَةً مُمْتَحَناً إخْلاَصُهَا ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ1- القرآن كريم، سورة آل عمران (3): 97.
مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا ، نَتَمَسَّكُ بِها أَبَداً ما أَبْقانَا ، وَ نَدَّخِرُهَا لاَِهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا ، فَإنَّهَا عَزيمَةُ الاِْيمَانِ ، وَ فَاتِحَةُ الإِحْسَانِ ، وَ مَرْضَاةُ الرَّحْمَانِ ، وَ مَدْحَرَةُ الشَّيْطَانِ .
وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ ، وَ الْعَلَمِ الْمَأْثُورِ ، وَ الْكِتَابِ الْمَسْطُورِ ، وَ النُّورِ السَّاطِعِ ، وَ الضِّيَاءِ اللاَّمِعِ ، وَ الأَمْرِ الصَّادِعِ ، إزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ ، وَ احْتِجَاجاً بِالبَيِّنَاتِ ، وَ تَحْذِيراً بِالآيَاتِ ، وَ تَخْوِيفاً بِالْمَثُلاَتِ ، وَ النَّاسُ في فِتَن انْجَذَمَ فِيها حَبْلُ الدِّينِ ، وَ تَزَعْزَعَتْ سَوَارِى الْيَقِينِ ، وَ اخْتلَفَ النَّجْرُ ، وَ تَشَتَّتَ الاَْمْرُ ، وَ ضَاقَ الْمَخْرَجُ ، وَ عَمِيَ الْمَصْدَرُ ، فَالْهُدَى خَامِلٌ ، وَ الْعَمَى شَامِلٌ ، عُصِيَ الرَّحْمانُ ، وَ نُصِرَ الشَّيْطَانُ ، وَ خُذِلَ الاِْيمَانُ ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ ، وَ تَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ ، وَ دَرَسَتْ سُبُلُهُ ، وَ عَفَتْ شُرُكُهُ ، أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ ، وَ وَرَدُوا مَنَاهِلَهُ ، بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ ، وَ قَامَ لِوَاؤُهُ ، في فِتَن دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا ، وَ وَطِئَتْهُمْ بأَظْلاَفِهَا ، وَ قَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا ، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ ، في خَيْر دَار ، وَ شَرِّ جِيرَان . نَوْمُهُمْ سُهُودٌ ، وَ كُحْلُهُمْ دُمُوعٌ ، بأَرْض عَالِمُها مُلْجَمٌ ، وَ جَاهِلُها مُكْرَمٌ .
وَ مِنْها يَعْنِي آلَ النَّبِيِّ عليهم السّلام
هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ ، وَ لَجَأُ أَمْرِهِ ، وَ عَيْبَةُ عِلْمِهِ ، وَ مَوْئِلُ حُكْمِهِ ، وَ كُهُوفُ كُتُبِهِ ، وَ جِبَالُ دِينِهِ ، بِهِمْ أَقَامَ انْحِناءَ ظَهْرِهِ ، وَ أَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ .
وَ مِنْها يَعْنِي قَوماً آخَرِينَ
زَرَعُوا الْفُجُورَ ، وَ سَقَوْهُ الْغُرُورَ ، وَ حَصَدُوا الثُّبُورَ ، لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّد(صلى الله عليه وآله)مِنْ هـذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ ، وَ لا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَبَداً : هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ ، وَ عِمادُ الْيَقِينِ . إلَيْهِمْ يَفِيءُ الْغَالِي ، وَ بِهِمْ يُلْحَقُ التَّالي ، وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلايَةِ ، وَ فِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَ الْوِرَاثَةُ ; الاْنَ إذْ رَجَعَ الْحَقُّ إلَى أَهْلِهِ ، وَ نُقِلَ إلَى مُنْتَقَلِهِ!
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بالشِّقْشِقِيَّةِ
أَمَا ـ وَ اللهِ ـ لَقَدْ تَقَمَّصَها ابْنُ أبِي قُحافَةَ ، وَ إنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَا : يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ ، وَلا يَرْقَى إلَيَّ الطَّيْرُ ; فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثُوْباً ، وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً ، وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَد جَذَّاءَ ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَة عَمْيَاءَ ، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ ، وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ ، وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى ، فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذَىً ، وَ فِى الْحَلْقِ شَجاً ،
أَرَى تُرَاثي نَهْباً .
حَتَّى مَضَى الاَْوَّلُ لِسَبِيلِهِ ، فَأَدْلَى بِهَا إلَى ابْنِ الخَطَّابِ بَعْدَهُ.
(ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَولِ الأَعْشى):
شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا *** وَ يَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ
فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ ! إذْ عَقَدَهَا لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ـ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا ! ـ فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَة خَشْنَاءَ ، يَغْلُظُ كَلْمُهَا ، وَ يَخْشُنُ مَسُّهَا ، وَ يَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا ، وَ الاِْعْتِذَارُ مِنْهَا ، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ ، إنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ ، وَإنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ ، فَمُنِيَ النَّاسُ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ بِخَبْط وَ شِمَاس ، وَ تَلَوُّن وَ اعْتِرَاض ; فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ ، وَ شِدَّةِ الِْمحْنَةِ ; حَتَّى إذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَة زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ ، فَيَا للهِ وَ لِلشُّورَى ! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الاَْوَّلِ مِنْهُمْ ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إلَى هـذِهِ النَّظَائِرِ ! لكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا، وَ طِرْتُ إِذْ
طَارُوا، فَصَغى رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ ، وَ مَالَ الآخَرُ لِصِهْرِهِ ، مَعَ هَن وَ هَن إلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ ، بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ ، وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضِمُونَ مَالَ اللهِ خَضْمَ الاِْبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ ، إلَى أَنِ انْتَكَثَ فَتْلُهُ ، وَ أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ ، وَ كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ!
فَمَا رَاعَنِي إلاَّ وَ النَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إلَيَّ ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِب ، حَتَّى لَقَدْ وُطِىءَ الْحَسَنَانِ ، وَ شُقَّ عِطْفَايَ ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ . فَلَمَّا نَهَضْتُ بالاَْمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ ، وَ مَرَقَتْ أُخْرَى ، وَ قَسَطَ آخَرُونَ ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا كَلامَ اللهِ يَقُولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُريدُونَ عُلُوّاً فِى الاَْرْضِ وَ لا فَسَاداً وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(1))بَلَى ! وَ اللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا ، وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا في أَعْيُنِهِمْ ، وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا !
أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ ، وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ ، وَ مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم ، وَ لا سَغَبِ مَظْلُوم ، لاََلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا ، وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها ، وَلاََلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هـذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز !
}قالُوا : وَ قامَ إلَيهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إلى هذا المَوضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ ، فَناوَلَهُ كِتاباً ، قأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ قَراءَتِهِ ، قالَ لَهُ ابْنُ عَبّاس : يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ، لَوِ اطَّرَدْتَ خُطْبَتَكَ مِن حَيثُ أَفْضَيْتَ ! فَقَالَ :{
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ1- القرآن الكريم، سورة القصص (28): 83.
هَيْهَاتَ ، يابْنَ عَبَّاس ! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ !
}قالَ ابْنُ عَبّاس : فَوَاللهِ ما أَسِفْتُ عَلى كَلام قَطُّ كأسَفِي عَلى هذَا الكَلامِ أَنْ لا يَكُونَ أَمِيرُالمُؤْمِنِينَ(عليه السلام) بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرادَ .{
* قَولُهُ(عليه السلام) : «كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ ، إنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ ، وَإنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ »، يُرِيدُ أَنَّهُ إذا شَدَّدَ عَليها فِي جَذْبِ الزَّمامِ وَ هِيَ تُنازِعُهُ رَأْسَها خَرَمَ أنْفَها ، وَ إِنْ أرْخى لَها شَيْئاً مَعَ صُعُوبَتِها تَقَحَّمَتْ بِهِ فَلَمْ يَمْلِكْها ; يُقالُ : أَشْنَقَ النّاقَةَ ، إذا جَذَبَ رَأسَها بِالزِّمامِ فَرَفَعَهُ ، وَ شَنَّقَها أْيضاً : ذَكَرَ ذلِكَ ابْنُ السِّكِيتِ فِي إصْلاحُ المَنْطِقِ ، وَ اِنَّما قالَ : «أشْنَقَ لَها» وَ لَمْ يَقُلْ : «أشْنَقَها» لأَنَّهُ جَعَلَهُ فِي مُقابَلَةِ قَوْلِهِ : «أسْلَسَ لَها» فَكَأنَّهُ(عليه السلام) قالَ : «إِنْ رَفَعَ لَها رَأْسَها بِمَعْنى أمْسَكَهُ عَلَيها بِالزِّمامِ ». وَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) خَطَبَ عَلى ناقَتِهِ وَ قَدْ شَنَقَ لَها فَهِىَ تَقْصَعُ بِجِرَّتِها. وَ مِنَ الشّاهِدِ عَلى أَنَّ «أشْنَقَ» بِمَعْنى «شَنَقَ» قَولُ عُدَيِّ ابْنِ زَيد العِبادِيِّ :
ساءَها ما تَبَيَّنَ فِى الأيْدِي *** وَ إِشْناقُها إلَى الأعْناقِ{
مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
بِنَا اهْتَدَيْتُمْ في الظَّلْمَاءِ ، وَتَسَنَّمْتُمْ ذُرْوَةَ الْعَلْيَاءِ ، وبِنَا أَفْجَرْتُمْ عَنِ السِّرَارِ . وُقِرَ سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الْوَاعِيَةَ ، وَكَيْفَ يُرَاعِي النَّبْأَةَ مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ ؟ رُبِطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الْخَفَقَانُ . مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ ، وَأَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُغْتَرِّينَ ، حَتَّى سَتَرَنِي عَنْكُمْ
جِلْبَابُ الدِّينِ ، وَبَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّةِ . أَقَمْتُ لَكْمُ عَلَى سَنَنِ الْحَقِّ في جَوَادِّ الْمَضَلَّةِ ، حَيْثُ تَلْتَقُونَ وَلا دَلِيلَ ، وَتَحْتَفِرُون وَلا تُمِيهُونَ .
الْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذاتَ الْبَيَانِ ! عَزَبَ رَأْيُ امْرِىء تَخَلَّفَ عَنِّي ! مَا شَكَكْتُ في الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ ! لَمْ يُوجِسْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ ، بَلْ أَشْفَقَ مِن غَلَبَةِ الْجُهَّالِ وَدُوَلِ الضَّلالِ ! الْيَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبيلِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . مَنْ وَثِقَ بمَاء لَمْ يَظْمَأْ !
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
لَما قُبِضَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وَ خاطَبَهُ العَباسُ وَأَبُو سُفيانِ بنِ حَرب فِي
أَن يُبايِعا لَهُ بِالخَلافَةِ النَّهي عَنِ الفِتنَةِ
أَيُّها النَّاسُ ، شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَريقِ الْمُنَافَرَةِ وَضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ . أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بجَنَاح ، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ . هـذَا مَاءٌ آجِنٌ ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا . وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إينَاعِهَا ، كالزَّراعِ بِغَيرِ أَرْضِهِ .
فَإنْ أَقُلْ يَقُولُوا : حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ ، وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا : جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ ! هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي ! وَاللهِ لاَبْنُ أَبي طَالِب آنَسُ بالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْم لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الاَْرْشِيَةِ في الطَّوِىِّ الْبَعِيدَةِ !
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
لَمّا أُشِيرَ إِلَيهِ بِأنْ لايَتْبَعَ طَلحَةَ وَالزُّبِيرَ وَ لايُرْصِدَ لَهُما القِتالَ
وَ فِيهِ يُبَيِّنُ عَن صِفَتِه بأَنَّه(عليه السلام) لا يَخْدَع
وَاللهِ لاَ أَكُونُ كالضَّبُعِ : تَنَامُ عَلى طُولِ اللَّدْمِ ، حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا وَيَختِْلَهَا رَاصِدُها ، وَلكِنِّي أَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إلَى الْحَقِّ الْمُدْبِرَ عَنْهُ وَبِالسَّامِعِ الْمُطِيعِ الْعَاصِيَ الْمُريبَ أَبَداً ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي . فَوَاللهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي ، مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ ، مُنْذُ قَبَضَ اللهُ نَبِيَّهُ(صلى الله عليه وآله) حَتَّى يَوْمِ النَّاسِ هـذا .
مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لاِمْرِهِمْ مِلاَكاً ، واتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْراكاً ، فَبَاضَ وَفَرَّخَ في صُدُورِهِمْ ، وَدَبَّ وَدَرَجَ في حُجُورِهِمْ ، فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ ، وَنَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الْخَطَلَ0 ، فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ في سُلْطَانِهِ ، وَنَطَقَ بِالبَاطِلِ عَلَى لِسانِهِ !
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
يَعنِي بِهِ الزُّبَيرَ فِي حال اقْتَضَتْ ذلِكَ
يَزْعَمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ ، وَلَمْ يُبَايِعْ بِقَلْبِهِ ; فَقَدْ أَقَّرَّ بِالْبَيْعَةِ ، وادَّعَى الْوَلِيجَةَ فَلْيَأْتِ عَلَيْهَا بِأَمْر يُعْرَفُ ; وَإلاَّ فَلْيَدْخُلْ فِيَما خَرَجَ مِنْهُ .
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
وَقَدْ أَرْعَدُوا وَأَبْرَقُوا ، وَمَعَ هذَيْنِ الأَمْرَيْنِ الْفَشَلُ ; وَلَسْنا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ ، وَلاَ نُسِيلُ حَتَّى نُمطِرَ .
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ ، وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَرَجِلَهُ ، وَإنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي : مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي ، وَلاَ لُبِّسَ عَلَيَّ . وَايْمُ اللهِ لاَُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ ! لاَ يَصْدِرُونَ عَنْهُ ، وَلاَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ .
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
لاِبنِهِ مُحَمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ لَمّا أَعطاهُ الرّايَةُ يَومَ الجَمَلِ
تَزُولُ الْجِبَالُ وَلاَ تَزُلْ ! عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ . أَعِرِ اللهَ جُمْجُمَتَكَ تِدْ في الاَْرْضِ قَدَمَكَ . ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصى الْقَوْمِ ، وَغُضَّ بَصَركَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ .
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
لَمّا أَظْفَرَهُ اللهُ بِأَصحابِ الجَمَلِ ، وَقَدْ قالَ لَهُ بَعضُ أصْحابِهِ: «وَدَدْتُ
أَنَّ أَخِي فُلاناً كانَ شاهِداً لِيَرى ما نَصَرَكَ اللهُ بِهِ عَلى أَعدائِكَ».
فَقَالَ لَهُ(عليه السلام): «أَهَوَى أَخِيكَ مَعَنَا؟» فَقَالَ: «نَعَمْ »، قَالَ:
فَقَدْ شَهِدَنَا وَلَقَدْ شَهِدَنَا ! في عَسْكَرِنَا هـذَا أَقْوَامٌ في أَصْلاَبِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ ، سَيَرْعَفُ بِهِمُ الزَّمَانُ ، وَيَقْوَى بِهِمُ الاِْيمَانُ .
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
فِي ذَمِّ البَصرَةِ وَ أَهلِها
كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ ، وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ ; رَغَا فَأَجَبْتُمْ ، وَعُقِرَ فَهَرَبْتُمْ أَخْلاَقُكُمْ دِقَاقٌ ، وَعَهْدُكُمْ شِقَاقٌ ، وَدِينُكُمْ نِفَاقٌ ، وَمَاؤُكُمْ زُعَاقٌوَالْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ بِذَنْبِهِ ، وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَة مِنْ رَبِّهِ . كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُؤْجُؤِ سَفِينَة قَدْ بَعَثَ اللهُ عَلَيْها الْعَذَابَ مِنْ فَوْقِهَا وَمِنْ تَحْتِها ، وَغَرِقَ مَنْ فِي ضِمْنِها .
(و في رواية:) وَايْمُ اللهِ لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفِينَة ، أَوْ نَعَامَة جَاثِمَة .
(و في رواية:) كَجُؤْجُؤِ طَيْر في لُجَّةِ بَحْر .
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
فِي مِثلِ ذلِك
أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَاءِ ، بَعِيدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ ، خَفَّتْ عُقُولُكُمْ ، وَسَفِهَتْ حُلُومُكُمْ ، فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِل ، وَأُكْلَةٌ لاِكِل ، وَفَرِيسَةٌ لِصَائِل .
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
فِيما رَدُّهُ عَلَى المُسلِمِينَ مِن قَطائِعِ عُثمانَ
وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ ، وَمُلِكَ بِهِ الاِْمَاءُ ; لَرَدَدْتُهُ ; فَإِنَّ في الْعَدْلِ سَعَةً . وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ ، فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ !
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
لَمّا بُويِعِ بِالمَدِينَةِ
ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ . وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ . إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ الْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْمَثُلاتِ ، حَجَزَتْهُ التَّقْوى عَنْ تَقَحُّمِ الشُّبُهَاتِ . أَلاَ وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللهُ نَبِيِّكُم(صلى الله عليه وآله) وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً ، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً ، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ ، حَتَّى يَعُود أَسْفَلُكُمْ أَعْلاَكُمْ ، وَأَعْلاَكُمْ أَسْفَلُكُمْ ، وَلَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا ، وَلَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا . وَاللهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً ، وَلاَ كَذَبْتُ كِذْبَةً ، وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهـذَا الْمَقَامِ وَهـذَا الْيَوْمِ . أَلاَ وَإِنَّ الْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُها ، وَخُلِعَتْ لُجُمُهَا ، فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ في النَّارِ . أَلاَ وَإنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ ، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا ، وَأُعْطُوا أَزِمَّتَهافَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَبَاطِلٌ ، وَلِكُلٍّ أَهْلٌ ، فَلَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ ، وَلَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ فَلَرُبَّما وَلَعَلَّ ، وَلَقَلَّمَا أَدبـَرَ شَىْءٌ فَأَقْبَلَ!
* أَقُولُ : إِنَّ فِي هذَا الكَلامِ الأَدنى مِنْ مَواقِعِ الإِحسانِ ما لا تَبلُغُهُ مَواقِعِ الإِسْتِحسانِ ، وَ إِنَّ حَظِّ العَجَبِ مِنهُ أَكْثَرُ مِنْ حَظِّ العُجْبِ بِهِ . وَفِيهِ ـ مَعَ الحالِ الَّتِي وَصَفنا ـ زَوائِدُ مِنَ الفَصاحَةِ لا يَقُومُ بِها لِسانٌ ، وَلا يَطَّلعُ فَجَّها إِنسانٌ ، وَلا يَعرِفُ ما أَقُولُ إِلاّ مَنْ ضَرَبَ فِي هذِه الصِناعَةِ بِحَقٍّ ، وَجَرى فِيها عَلى عِرقِ . (وَما يَعْقِلُهَا إلاّ الْعَالِمُونَ (1)).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ1- القرآن الكريم، سورة العنكبوت (29): 43.
ومن هذه الخطبة:
شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ أَمَامَهُ ! سَاع سَرِيعٌ نَجَا ، وَطَالِبٌ بَطِىءٌ رَجَا ، وَمُقَصِّرٌ في النَّارِ هَوَى . الَْيمِينُ وَالشِّمَالُ مَضَلَّةٌ ، وَالطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ عَلَيْهَا بَاقِي الْكِتَابِ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ ، وَمِنْهَا مَنْفَذُ السٌّنَّةِ ، وَإلَيْهَا مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ . هَلَكَ مَنِ ادَّعَى ، وَخَابَ مَنِ افْتَرَى . مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ . لاَ يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْل ، وَلاَ يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْم . فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ ، وَلاَ يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلاَّ رَبَّهُ ، وَلاَ يَلُمْ لاَئِمٌ إِلاَّ نَفْسَهُ .
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
فِي صِفَةِ مَنْ يَتَصَدّى لِلْحُكمِ بَينَ الأُمَّةِ وَلَيسَ لِذلِكَ بِأَهل
إِنَّ أَبْغَضَ الْخَلاَئِقِ إِلَى اللهِ رَجُلاَنِ :
رَجُلٌ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ ; فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ ، مَشْغُوفٌ بِكَلامِ بِدْعَة ، وَدُعَاءِ ضَلاَلَة ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ ، ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ ، مُضِلٌّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ في حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ ، حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ ، رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ .
وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلا ، مُوضِعٌ فِي جُهَّالِ الاُْمَّةِ ، غارٌّ فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ ، عَم بِمَا في عَقْدِ الْهُدْنَةِ ; قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ ، بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْع ; مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَحَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ مَاء آجِن ، وَاكْتَنَزَ مِن غَيْرِ طَائِل ، جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثّاً مِنْ رَأْيِهِ ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ في مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ . لاَ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ ; فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ ، وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ . جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالاَت ، عَاش رَكَّابُ عَشَوَات ، لَمْ يَعَضَّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْس قَاطِع . يُذْرِي الرِّوَايَاتِ إذراءَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ . لاَ مَلِيٌّ ـ وَاللهِ ـ بِإصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ ، وَلاَ أَهْلٌ لِمَا فُوِّضَ إِلَيهِ لاَ يَحْسَبُ الْعِلْمَ في شَىْء مِمَّا أَنْكَرَهُ ، وَلاَ يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ
مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ ، وَإنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ ، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ ، وَتَعُجُّ مِنْهُ الْمَوَارِيثُ . إِلَى اللهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَر يَعيِشُونَ جُهَّالا ، وَيَمُوتُونَ ضُلاَّلا ، لَيْسَ فِيهمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُِليَ حَقَّ تِلاوَتِهِ، وَلاَ سِلْعَةٌ، أَنْفَقُ بَيْعاً وَلاَ أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَلاَ عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ ، وَلاَ أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْكَرِ !
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
فِي ذَمِّ اِختِلافِ العُلَماءِ فِي الفُتيا
تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَضِيَّةُ في حُكْم مِنَ الاَْحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِهِ ، ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيها بِخِلافِهِ، ثُمَّ يَجْتَمعُ الْقُضَاةُ بِذلِكَ عِنْدَ الاِْمَامِ الَّذِى اسْتَقْضَاهُمْ ، فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً ـ وَإِلـهُهُمْ واحِدٌ ! وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ ، وَكِتَابُهُمْ ، وَاحِدٌ ! أَفَأَمَرَهُمُ اللهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ بِالاِخْتِلاَفِ فَأَطَاعُوهُ ؟! أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ؟!
أَمْ أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ ؟ أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ ، فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى ؟ أَمْ أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تَامَّاً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ(صلى الله عليه وآله) عَنْ تَبْلِيغِهِ وَأَدَائِهِ ؟ وَاللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء(1)) وَ(فِيهِ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيء (2))، وَذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاًوَأَنَّهُ لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ : (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً(3)) . وَإِنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ ، لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ ، وَلاَ تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ ، وَلاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إلاَّ بِهِ .
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
قالَ لِلأَشعَثِ بنِ قَيسِ ـ وَ هُوَ عَلى مِنبَرِ الكُوفَةِ يَخطُبُ ـ ،
فَمَضى فِي بَعضِ كَلامِهِ شَيءٌ اِعْتَرَضَهُ الأَشْعَثُ فِيهِ ، فَقالَ : يا
أَمِيرَالمُؤْمِنِينَ ، هذِه عَلَيكَ لا لَكَ ، فَخَفَضَ(عليه السلام) إِلَيهِ بَصَرَهُ، ثُمَّ قالَ :
مَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي ، عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللهِ وَلَعْنَةُ اللاَّعِنِينَ ! حَائِكٌ ابْنُ حَائِك ! مُنَافِقٌ ابْنُ كَافِر ! وَاللهِ لَقَدْ أَسَرَكَ الْكُفْرُ مَرَّةً وَالاِْسْلامُ أُخْرى ! فَمَا فَدَاكَ مِنْ وَاحِدَة مِنْهُمَا مَالُكَ وَلاَ حَسَبُكَ ! وَإِنَّ امْرَأً دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ وَ سَاقَ إِلَيْهِمُ الْحَتْفَ ، لَحَرِىٌّ أَنْ يَمْقُتُهُ الاَْقْرَبُ ، وَلاَ يَأْمَنَهُ الاَْبْعَدُ !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ1- القرآن الكريم، سورة الانعام (6): 38.
2- القرآن الكريم، سورة النحل (16): 89.
3- القرآن الكريم، سورة النساء (4): 82.
* أَقوُلُ: يُرِيدُ(عليه السلام) أَنَّهُ أُسِرَ فِي الكُفْرِ مَرّةً وَ فِي الإِسلامِ مَرَّةً . وَ أَمّا قَولُهُ : « دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ» فَأرادَ بِهِ حَدِيثاً كانَ لِلأَشعَثِ مَعَ خالِدِ بنِ الوَلِيدِ بِاليَمامَةِ ، غَرَّ فِيهِ قَومَهُ وَمَكَرَ بِهِم حَتّى أَوقَعَ بِهِمْ خالِدٌ ، وَكانَ قَومَهُ بَعدَ ذلِكَ يَسُمُّونَهُ «عُرْفَ النّارِ»، وَ هُوَ إِسمٌ لِلغادِرِ عِندَهُمْ .
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزَعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ ، وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ ، وَلكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا ، وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ ! وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ ، وَأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ ، وَهُدِيتُمْ إِنْ اهْتَدَيْتُمْ ، وَبِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ : لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ الْعِبَرُ . وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ . وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إِلاَّ الْبَشَرُ .
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
و هي كلمة جامعة للعظة والحكمة
فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ ، وَإِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ . تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ .
* أَقوُلُ: إِنَّ هذَا الكَلامِ لَو وُزِنَ ، بَعدَ كَلامِ اللهِ سُبحانَهُ وَبَعدَ كَلامِ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) ، بِكُلِّ كَلام لَمالَ بِهِ راجِحاً ، وَ بَرَّزَ عَلَيه سابِقاً . فَأمّا قَولُهُ(عليه السلام): «تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا» فَما سَمِعَ كَلامٌ أَقَلَّ مِنهُ مَسمُوعاً وَ لا أَكثَرَ مَحُصولا ، وَ ما أَبْعَدَ غَورَها مِن كَلِمَة ! وَ أنْقَعَ نُطْفَتَها مِنْ حِكْمَة ! وَ قَد نَبَّهَنا فِي كِتابِ الخصائص عَلى عِظَمِ قَدْرِها، وَ شَرَفِ جَوهَرِها .
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
وفيها يذم عملهم ويلزمهم دم عثمان ويتهددهم بالحرب
أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَّرَ حِزْبَهُ ، وَاسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ ، لِيَعُودَ الْجَوْرُ إلَى أَوْطَانِهِ ، وَيَرْجِعَ الْبَاطِلُ إِلى نِصَابِهِ .
وَاللهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً ، وَلاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصِفاً . وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقَّاً هُمْ تَرَكُوهُ ، وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ : فَلَئِن كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ ، وَلَئِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُوني ، فَمَا التَّبِعَةُ إِلاَّ عِنْدَهُمْ . وَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ ، يَرْتَضِعُونَ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ ، وَيُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ .
يا خَيْبَةَ الدَّاعِي ! مَنْ دَعَا ! وَإِلاَمَ أُجِيبَ ؟ وَإِنِّي لَرَاض بِحُجَّةِ اللهِ عَلَيْهِمْ وَعِلْمِهِ فِيهمْ . فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ الْبَاطِلِ ، وَنَاصِراً لِلْحَقِّ !
وَمِنَ الْعَجَبِ بَعْثُهُمْ إِلَىَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ ! وَأَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلادِ !
هَبِلَتْهُمُ الْهَبُولُ ! لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ ، وَلاَ أُرْهَبُ بِالضَّرْبِ ! وَإِنِّي لَعَلَى يَقِين مِنْ رَبِّي ، وَغَيْرِ شُبْهَة مِنْ دِيني .
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الاَْمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الاَْرْضِ كَقَطَرَاتِ الْمَطَرِ إلَى كُلِّ نَفْس بِمَا قُسِمَ لَهَا مِنْ زِيَادَة أَوْ نُقْصَان ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ لاَِخِيهِ غَفِيرَةً في أَهْل أَوْ مَال أَوْ نَفْس فَلاَ تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً ; فَإنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ فَيَخْشَعَ لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ ، وَيُغْرَى بِهَا لِئَامُ النَّاسِ ، كَانَ كَالْفَالِجِ الْيَاسِرِ الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَة مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ ، وَيُرْفَعُ بِهَا عَنْهُ الْمَغْرَمُ وَكَذلِكَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ الْبَرِيءُ مِنَ الْخِيَانَةِ يَنتَظِرُ مِنَ اللهِ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ : إِمَّا دَاعِيَ اللهِ فَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لَهُ ، وَإِمَّا رِزْقَ اللهِ فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْل وَمَالوَمَعَهُ دِينُهُ وَحَسَبُه . وإِنَّ الْمالَ والْبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا ، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الآخِرَةِ ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللهُ تَعَالَى لاَِقْوَام ، فَاحْذَرُوا مِنَ اللهِ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ ، وَاخْشَوْهُ خَشْيَةً لَيْسَتْ بِتَعْذِير ، وَاعْمَلُوا في غَيْرِ رِيَاء وَلاَ سُمْعَة ; فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللهِ يَكِلْهُ اللهَ لِمَنْ عَمِلَ لَهُ . نَسْأَلُ اللهِ مَنَازِلَ الشُّهَداءِ ، وَمُعَايَشَةَ السُّعَدَاءِ ، وَمُرَافَقَةَ الأنْبِيَاءِ .
أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لاَ يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ ـ وَإِنْ كَانَ ذَا مَال ـ عَنْ عَشِيرَتِهِ وَ دِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ ، وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةً مِنْ وَرَائِهِ ، وَأَلَمُّهُمْ لِشَعَثِهِ ، وَأَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَة إِذَا نَزَلَتْ بِهِ . وَلِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللهُ لِلْمَرْءِ في النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُوَرِّثُهُ غَيْرَهُ .
وَ مِنها:
أَلاَ لاَ يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ الْقَرَابَةِ يَرَى بِهَا الْخَصَاصَةَ أَنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لا يَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلاَ يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ ; وَمَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ ، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْد كَثِيرَةٌ ; وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّةَ .
* أَقوُلُ: الغَفِيرَةُ هاهُنا الزِّيادَةُ وِ الكَثْرَةُ ، مِنْ قَولِهِم لِلْجَمعِ الكَثِيرِ: الجَمُّ الغَفِيرُ ، وَالجَمّاءُ الغَفِيرِ . وَ يُروى «عَفْوةً مِن أَهل أَوْ مال» وَ «العَفْوَةُ» : الخِيارِ مِنَ الشَّيءِ يُقالُ : «أَكَلتُ عَفْوَةَ الطَّعامِ»، أَي خِيارَهُ . وَ ما أَحسَنَ المَعنىَ الَّذِي أَرادَهُ(عليه السلام) بِقَولِهِ : «وَمَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ » إِلى تَمامِ الكَلامِ ، فَإِنَّ المُمْسِكَ خَيرَهُ عَن عَشِيرَتِهِ إِنَّما يُمْسِكُ نَفعَ يَد واحِدَة ; فَإِذَا احتاجَ إلى نُصْرَتِهِمْ ، وَ اضْطَرَّ إِلى مُرافِدَتِهِمْ قَعَدُوا عَنْ نَصرِهِ ، وَتَثاقَلُوا عَنْ صَوتِهِ ، فَمَنَعَ تَرافُدَ الأَيدِي الكَثِيرَةِ ، وَ تَناهُضِ الأَقدامِ الجَمَّةِ .
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ ، وَخَابَطَ الْغَيَّ ، مِنْ إدْهَان وَلاَ إيِهَان . فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَفِرُّوا إِلَى اللهِ مِنَ اللهِ ، وَامْضُوا فِي الَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ ، وَقُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ ، فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفَلْجِكُمْ آجِلاإِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلا .
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
وَ قَدْ تَواتَرَتْ عَلَيهِ الأَخبارُ بِاستِيلاءِ أَصحابِ مُعاوِيَةِ عَلَى البِلادِ ،
وَ قَدِمَ عَلَيهِ عامِلاهُ عَلَى اليَمَنِ ، وَ هُما عُبَيدُ اللهِ بنِ عَبّاس وَ سَعِيدُ بنِ نَمْرَانَ
لَمّا غَلَبَ عَلَيهِما بُسْرُ بن أَبي أَرْطَاة; فَقامَ(عليه السلام) عَلَى المِنَبرِ ضَجراً بِتَثاقُلِ أَصحابِهِ
عَنِ الجِهادِ ، وَ مُخالَفَتِهِمْ لَهُ فِي الرَأْيِ ، فَقالَ :
مَا هِيَ إِلاَّ الْكُوفَةُ ، أَقْبِضُهَا وَأَبْسُطُهَا ، إِنْ لَمْ تَكُوني إِلاَّ أَنْتِ ، تَهُبُّ أَعاصِيرُك فَقبَّحَك اللهُ !
(وَ تَمَثَّلَ بِقَولِ الشّاعِرِ :)
لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّني *** عَلَى وَضَر ـ مِنْ ذَا الاِْنَاءِ ـ قَلِيلِ
(ثُمَّ قالَ(عليه السلام):)
أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ ، وَإِنِّي وَاللهِ لاََظُنُّ أَنَّ هؤُلاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهمْ عَلَى بَاطِلِهمْ ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ في الْحَقِّ ، وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ في الْبَاطِلِ ، وَبِأَدَائِهِمُ الاَْمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَخِيَانَتِكُمْ ، وَبِصَلاَحِهمْ في بِلاَدِهِمْ وَفَسادِكُمْ . فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْب لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاَقَتِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَمَلُّونِيوَسَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي ، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي شَرَّاً مِنِّي اللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ ، أَمَا وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِس مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْم .
هُنَالِكَ ، لَوْ دَعَوْتَ ، أَتَاكَ مِنْهُمْ *** فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الْحَمِيمِ
(ثُمَّ نَزَلَ(عليه السلام) مِنَ المِنْبَرِ).
* أَقوُلُ: «الأَرمِيَةُ» جَمعُ رَمِيٍّ، وَ هُوَ السَّحابُ ، وَ الحَمِيمُ ها هُنا وَقتُ الصَيفِ ، وَ إِنَّما خَصَّ الشّاعِرُ سَحابَ الصَّيفِ بِالذِّكرِ; لأَنَّه أَشَدُّ جُفُولا ، وَ أَسْرَعُ خُفُوفاً، لأَنَّهُ لا ماءَ فِيهِ ، وَ إِنَّما يَكُونُ السَّحابُ ثَقِيلُ السَّيرِ لإِمتِلائِهِ بِالماءِ ، وَ ذلِكَ لا يَكوُنُ فِي الأَكثَرِ إِلاّ زَمانَ الشِّتآءِ ، وَ إِنَّما أَرادَ الشّاعِرُ وَصْفَهُمْ بِالسُّرعَةِ إِذا دُعُوا ، وَ الإِغاثَةِ إِذا اسْتَغِيثُوا ، وَ الدَّليلِ عَلى ذلِكَ قَولُهُ : «هُنَالِكَ ، لَوْ دَعَوْتَ ، أَتَاكَ مِنْهُمْ».
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِين ، وَفِي شِرِّ دَار ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَة خُشْن وَحَيَّات صُمٍّ ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ . الاَْصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ ، وَالآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ .
وَ مِنها:
فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلاَّ أَهْلُ بَيْتِي ، فَضَنِنْتُ بِهمْ عَنِ الْمَوْتِ وَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى ، وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا ، وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْذ الْكَظَمِ ، وَعَلى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ .
وَ مِنها:
وَلَمْ يُبَايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهِ عَلَى الْبَيْعَةِ ثَمَناً ، فَلاَ ظَفِرَتْ يَدُ الْبَائِعِ ، وَخَزِيَتْ أَمَانَةُ الْمُبْتَاعِ ، فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا ، وَأَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَافَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا ، وَعَلاَ سَنَاهَا ، وَاسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ ، فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى النَّصْرِ .
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوى ، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ . فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ ، وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ ، وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَةِوَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالاِْسْهَابِ ، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ ، وَسِيمَ الْخَسْفَ ، وَمُنِعَ النَّصَفَ .
أَلاَ وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لَيْلا وَنَهَاراً ، وَسِرِّاً وَإِعْلاَناً ، وَقُلْتُ لَكُمْ : اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ ، فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ في عُقْرِ دَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا . فَتَواكَلْتُمْ وَتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الاَْوْطَانُ . وَهـذَا أَخُو غَامِد وَقَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الاَْنْبَارَ ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَ الاُْخْرَى الْمُعَاهَدَةِ ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلْبَهَا وَقَلاَئِدِهَا وَرُعُثَهَا ، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاِسْتِرْجَاعِ وَالاِسْتِرْحَامِ . ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلا مِنْهُمْ كَلْمٌ ، وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ ; فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هـذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً ، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً ; فَيَا عَجَباً ! عَجَباً ـ وَاللهِ ـ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِن اجْتِمَاعِ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَن حَقِّكُمْ ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً ، حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمى : يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ ، وَتُغْزَوْنَ وَلاَ تَغْزُونَ ، وَيُعْصَى اللهُ وَتَرْضَوْنَ ! فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ ]الصّيف [قُلْتُمْ : هـذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ ، أَمْهِلْنَا يُسَبَّخُ عَنَّا الْحَرُّ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ : هـذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ ; أَمِْهلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ; كُلُّ هذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ; فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ ; فَأَنْتُمْ وَاللهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ !
يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلاَ رِجَالَ ! حُلُومُ الاَْطْفَالِ ، وَعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً ـ وَاللهِ ـ جَرَّتْ نَدَماًوَأَعَقَبَتْ سَدَماً . قَاتَلَكُمُ اللهُ ! لَقَدْ مَلاَْتُمْ قَلْبِي قَيْحاً ، وَشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً ، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساًوَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ وَالْخذْلاَنِ ; حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ : إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِب رَجُلٌ شُجَاعٌ ، وَلكِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ .
للهِ أَبُوهُمْ ! وَهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً ، وَأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي ! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ ، وَهـا أنا ذا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ ! وَلكِنْ لاَ رَأْيَ لِمَنْ لاَ يُطَاعُ !
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبـَرَتْ ، وَآذَنَتْ بِوَدَاع ، وَإِنَّ الآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلاَع ، أَلاَ وَإِنَّ الْيَوْمَ المِضْمَارُ ، وَغَداً السِّبَاقَ ، وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ ، وَالْغَايَةُ النَّارُ ; أَفَلاَ تَائِبُ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ ! أَلاَ
عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ ! أَلاَ وَإِنَّكُمْ في أَيَّامِ أَمَل مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ ; فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ ، وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ . وَمَنْ قَصَّرَ في أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ . أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ ، أَلاَ وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا ، وَلاَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا ، أَلاَ وَإِنَّهُ مَنْ لاَ يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ البَاطِلُ ، وَمَنْ لاَ يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى ، يَجُرُّ بِهِ الضَّلاَلُ إِلَى الرَّدَى . أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِوَدُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ ; وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ : اتِّبَاعُ الْهَوَى ، وَطُولُ الاَْمَلِ ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً .
* وَ أَقُولُ : إِنَّهُ لَو كانَ كَلامٌ يَأْخُذُ بِالأَعناقِ إِلَى الزُّهدِ فِي الدُّنيا ، وَيَضْطَرُّ إِلى عَمَلِ الآخِرَةِ لَكانَ هذَا الكَلامَ ، وَكَفى بِهِ قاطِعاً لِعَلائِقِ الآمالِ ، وَقادِحاً زِنادَ الاِتِّعاظِ وَالازِدِجارِ ، وَ مِنْ أَعْجَبِهِ قَولُهُ(عليه السلام) : « أَلاَ وَإِنَّ الْيَوْمَ المِضْمَارُ ، وَغَداً السِّبَاقَ ، وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ ، وَالْغَايَةُ النَّارُ » فَإِنَّ فِيهِ ـ مَعَ فَخامَةِ الَّلفظِ ، وَعِظَمِ قَدرِ المَعنى ، وَصادِقَ التَّمثِيلِ ، وَواقِعِ التَّشبِيهِ ـ سِرّاً عَجِيباً ، وَمَعنى لَطِيفاً. وَ هُوَ قَولُهُ(عليه السلام): « وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ ، وَالْغَايَةُ النَّارُ » فَخالَفَ بَينَ اللفظِينِ لإختِلافِ المَعْنِيَينِ ، وَلَمْ يَقُل : «السَّبَقَةُ النَّار»، كَما قالَ : «السَّبَقَةُ الْجَنَّةُ » ; لأَنَّ الإستِباقِ إِنَّما يَكُونُ إِلى أَمر مَحبُوب ، وَغَرَض مطلوب ، وَ هذِهِ صِفَةُ الجَنَّةِ وَلَيسَ هذَا المَعنى مُوجوداً فِي النار ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنها ! فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ : « والسَّبَقَةُ النَّار»، بَلْ قالَ : «وَالْغَايَةُ النَّار» : لاََّن الغايَةَ قَد يَنْتَهِي إِلَيها مَن لا يَسُرُّهُ الإنتِهاء إِلَيها ، وَمَنْ يَسُرُّهُ ذلِكَ فَصَلَحَ أَنْ يُعَبِّرَ بِها عَنِ الأَمرَينِ مَعاً ، فَهِيَ فِي هذَا المَوضِعِ كَالمَصِيرِ وَ المَآلِ ، قالَ اللهُ تَعالى :
(قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ(1)) وَ لا يَجُوزُ فِي هذَا المَوضِعِ أَن
1- القرآن الكريم، سورة إبراهيم (14): 23.
يُقالَ : فإِنَّ سَبْقَتْكُمْ ـ بِسُكونِ الباءِ ـ إِلَى النّارِ ، فَتَأَمَّلَ ذلِكَ ، فَباطِنُهُ عَجِيبٌ ، وَغَورُهُ بَعِيدٌ لَطِيفٌ، وَ كَذلِكَ أَكْثَرَ كَلامِهِ(عليه السلام). وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : «وَ قَدْ جاءَ فِي رَوايَة أُخرى وَ السُّبْقَة الجَنَّة ـ بِضَمِّ السِّينِ ـ وَ السُّبْقَةَ عِندَهُمْ : اِسمٌ لِما يُجْعَلُ لِلسابِقِ إِذا سَبَقَ مِن مال أَوْ عِرض ; وَ المَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ ، لأَنَّ ذلِكَ لا يَكُونُ جَزاءً عَلى فِعلِ الأَمرِ المَذمُومِ، وَإِنَّما يَكُونُ جَزاءً عَلى فِعلِ الأَمرِ المَحمُودِ .
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
أَيُّهَا النَّاسُ ، الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ ، كَلاَمُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصِّلابَ ، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الاَْعْدَاءَ ! تَقُولُونَ فِي الْمَجَالِسِ : كَيْتَ وَكَيْتَ ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ : حِيدِي حَيَادِ ! مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ ، وَلاَ اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ ، أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ ، دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ . لاَ يَمْنَعُ الْضَّيْمَ الذَّلِيلُ ! وَلاَ يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلاَّ بِالْجِدِّ ! أَيَّ دَار بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ ، وَمَعَ أَيِّ إِمَام بَعْدِي تُقَاتِلُونَ ؟ الْمَغْرُورُ وَاللهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ ، وَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ ـ وَاللهِ ـ بِالسَّهْمِ الاَْخْيَبِ ، وَمَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بَأَفْوَقَ نَاصِل . أَصْبَحْتُ وَاللهِ لا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ ، وَلاَ أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ ، وَلاَ أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ . مَا بَالَكُمْ ؟ مَا دَوَاؤُكُمْ ؟ مَا طِبُّكُمْ ؟ الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ . أَقَوْلا بِغَيْرِ عِلْم! وَغَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَع ! وَطَمَعاً فِي غَيْرِ حَقٍّ ؟!
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
فِي مَعنى قَتْلِ عُثمانَ
لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلا ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِراً ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، وَمَنْ خَذَلَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ : «نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ». وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ ، اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الاَْثَرَةَوَجَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ ، وَللهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ في الْمُسْتَأْثِرِ وَالْجَازِعِ .
وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ
لَمّا اَنْفَذَ عَبدُاللهِ ابنِ العَبّاسِ لَمّا أَرسَلَهُ إِلَى الزُّبِيرِ
قَبلَ وُقُوعِ الحَربِ يَومَ الجَمَلِ لِيَسْتَفِيأَهُ إِلى طاعَتِهَ
لا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ ، فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ ، يَرْكَبُ الصَّعْبَ وَيَقُولُ : هُوَ الذَّلُولُ . وَلكِنِ الْقَ الزُّبَيْرَ ، فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَرِيكَةً ، فَقُلْ لَهُ : يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ : عَرَفْتَنِي بِالْحِجَازِ وَأَنْكَرْتَنِي بِالْعِرَاقِ ، فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا .
* أَقُولُ: وَ هُوَ(عليه السلام) أَِوَّلُ مَنْ سَمِعَتْ مِنهُ هذِه الكَلَمةِ ، أَعنِي : « فَما عَدا مِمّا بَدا» .
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْر عَنُود ، وَزَمَن كَنُود ، يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسِيئاً ، وَيَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُوّاً ، لاَ نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا ، وَلاَ نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا ، وَلاَ نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحُلَّ بِنَا .
فَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَاف : مِنْهُمْ مَنْ لاَ يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ في الاَْرْضِ إِلاَّ مَهَانَةُ نَفْسِهِ ، وَكَلاَلَةُ حَدِّهِ ، وَنَضِيضُ وَفْرِهِ ، وَمِنْهُمْ الْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ ، وَالْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ ، وَالْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ ، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ ، وَأَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَام يَنْتَهِزُهُ ، أَوْ مِقْنَب يَقُودُهُ ، أَوْ مِنْبَر يَفْرَعُهُ .
وَلَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً ، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللهِ عِوَضاً ! وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ ، وَلاَ يَطْلُبُ الآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا ، قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ ، وَقَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ ، وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ ، وَزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلاَْمَانَةِ وَاتَّخَذَ سِتْرَ اللهِ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُؤُولَةُ نَفْسِهِ ، وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ ، فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ ، وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ ، وَلَيْسَ مِنْ ذلِكَ في مَرَاح وَلاَ مَغْدىً .
وَبَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ ، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ فَهُمْ بَيْنَ شَرِيد نَادٍّ ، وَخَائِف مَقْمُوع ، وَسَاكِت مَكْعُوم وَدَاع مُخْلِص ، وَثَكْلاَنَ مُوجَع ، قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ وَشَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ ، فَهُمْ في بَحْر أُجَاج ، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ ، وَقُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا ، وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا ، وَقُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا .
فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا في أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ ، وَقُرَاضَةِ الْجَلَمِ وَاتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ ; وَارْفُضُوهَا ذَمِيمَةً ، فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ .
* أَقُولُ: وَ هذِهِ الخُطبَةُ رُبَما نَسَبَها مَن لا عِلمَ لَهُ إِلَى مُعاوِيَةَ، وَهِيَ مِن كَلامِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ(عليه السلام) الَّذِي لا يَشُكُّ فِيهِ ، وَأَينَ الذَّهَبُ مِنَ الرُّغامِ ! وَأَينَ العَذْبُ مِنَ الأُجاجِ؟! وَقَدْ دَلَّ عَلى ذلِكَ الدَّليلُ الخِرِّيتُ، وَ نَقَدَهُ النّاقِدُ البَصيِرِ، عَمروُ بنُ بَحر الجاحِظِ ; فَإِنَّهُ ذَكَرَ هذِهِ الخُطبَةَ فِي كِتابِ البيان والتبيين وَ ذَكَرَ مَن نَسَبَها إِلى مُعاويِةَ ، ثُمَّ قالَ : «وَ هِي بِكلامِ عَلِيٍّ(عليه السلام) أَشبَهُ ، وَ بِمَذهَبِهِ فِي تَصنِيفِ النّاسِ ، وَفِي الإِخبارِ عَمّا هُم عَلَيه مِنَ القَهرِ وَالاِذلالِ ، وَمِنَ التَّقِيَّةِ وَالخَوفِ ألْيَقُ» . قالَ : «وَمَتى وَجَدنا مُعاوِيَةَ فِي حال مِنَ الأَحوالِ يَسلُكُ فِي كَلامِهِ مَسلَكَ الزُّهادِ ، وَمَذاهِبَ العُبّادِ؟!»
وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ
عِندَ خُرُوجِهِ لِقِتالِ أَهْلِ البَصرَةِ، قالَ عَبدُاللهِ بنُ عَبّاسِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ : دَخَلتُ عَلى أَمِيرِالمُؤْمِنِينِ(عليه السلام) ـ بِذِي قارِ ـ وَ هُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ ، فَقالَ لِي : «ما قِيمَةُ هذَا النَّعلِ» ؟ فَقُلتُ : «لا قِيمَةَ لَها!» فَقالَ(عليه السلام) : «وَ اللهِ، لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ ، إِلاَّ أَنْ أُقِيمَ حَقَّاً ، أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلا ». ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ النّاسُ فَقالَ:
إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ـ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباًوَلاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً ، فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ ،