وَبَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ  ، فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ ، وَاطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ .

أَمَا وَاللهِ إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا حَتَّى وَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا : ما ضَعُفْتُ وَلاَ جَبُنْتُ ، وَإِنَّ مَسِيرِي هـذَا لِمِثْلِهَا ; فَلاََنـْقُبَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ .

مَا لِي وَلِقُرَيْش ! وَاللهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ ، وَلاَُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ ، وَإِنِّي لَصَاحِبُهُمْ بِالاَْمْسِ ، كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْيَوْمَ !

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

فِي استِنفارِ الناسِ إلى أهْلِ الشامِ

 

أُفٍّ لَكُمْ ! لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ ! أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ عِوَضاً؟ وَبِالذُّلِّ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً ؟ إِذَا دَعَوْتُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ ، كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ في غَمْرَة ، وَمِنَ الذُّهُولِ في سَكْرَة . يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حَوَارِي فَتَعْمَهُونَ ، فَكَأَنَّ قَلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ ، فَأَنْتُمْ لاَ تَعْقِلُونَ . مَا أَنْتُمْ لِي بِثِقَة سَجِيسَ اللَّيَالِي ، وَمَا أَنْتُمْ بِرُكْن يُمَالُ بِكُمْ ، وَلاَ زَوَافِرُ عِزٍّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ . مَا أَنْتُمْ إِلاَّ كَإِبِل ضَلَّ رُعَاتُهَا ، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِب انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ ، لَبِئْسَ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ ! تُكَادُونَ

 

وَلاَ تَكِيدُونَ ، وَتُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلاَ تَمْتَعِضُونَ ; لاَ يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ في غَفْلَة سَاهُونَ ، غُلِبَ وَاللهِ الْمُتَخَاذِلُونَ ! وَايْمُ اللهِ إِنِّي لاََظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى ، وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِب انْفِرَاجَ الرَّأْسِ . وَاللهِ إِنَّ امْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ ، وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ ، وَيَفْرِي جِلْدَهُ ، لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ ، ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ . أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتََ ; فَأَمَّا أَنَا فَوَاللهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ ، وَتَطِيحُ السَّوَاعِدُ وَالاَْقْدَامُ ، وَيَفْعَلُ اللهُ بَعْدَ ذلِكَ مَا يَشَاءُ .

أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّاً ، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ : فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلا تَجْهَلُوا ، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تُعَلِّمُوا . وَأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ ، والنَّصِيحَةُ في الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ ، وَالاِْجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ.

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

بعدَ التَّحكيمِ

 

الْحَمْدُ للهِ وَإِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ ، وَالْحَدَثِ الْجَلِيلِ . وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ غَيْرُهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ(صلى الله عليه وآله) .

أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الْحِيرَةَ ، وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ . وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ في هـذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي ، وَنَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيِي «لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِير أَمْرٌ» ! فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ ، وَالْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ ، حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ ، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ ، فَكُنْتُ أَنَا وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ :

«أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرِجِ اللَّوَى *** فَلَمْ تَسْتَبْيِنُوا النُّصْحَ إِلاَّ ضُحَى الْغَدِ»

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

فِي تَخوِيفِ أَهلِ النَّهروانِ

فَأَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْنَاءِ هـذَا النَّهْرِ ، وَبِأَهْضَامِ هـذَا الْغَائِطِ ، عَلَى غَيْرِ بَيِّنَة مِنْ رَبِّكُمْ ، وَلاَ سُلْطَان مُبِين مَعَكُمْ : قَدْ
طَوَّحَتْ بِكُمُ الدَّارُ ، وَاحْتَبَلَكُمُ الْمِقْدَارُ ، وَقَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هـذِهِ الْحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ المُخالِفِينَ المُنَابِذِينَ ، حَتَّى صَرَفْتُ رَأْيِي إِلَى هَوَاكُمْ ، وَأَنْتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفَّاءُ الْهَامِ ، سُفَهَاءُ الاَْحْلاَمِ ; وَلَمْ آتِ ـ لاَ أَبَا لَكُمْ ـ بُجْراً ، وَلاَ أَرَدْتُ بِكُمْ ضُرّاً .

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

يَجْرِي مَجرىَ الخُطبَةِ

 

فَقُمْتُ بِالاَْمْرِ حَتّى فَشِلُوا ، وَتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا ، وَنَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا ، وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللهِ حِينَ وَقَفُوا . وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً ، وَأَعْلاَهُمْ فَوْتاً ، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا ، وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا . كَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ ، وَلاَ تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ . لَمْ يَكُنْ لاَِحَد فيَّ مَهْمَزٌ وَلاَ لِقَائِل فيَّ مَغْمَزٌ . الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ ، وَالْقَوِىُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ . رَضِينَا عَنِ اللهِ قَضَاءَهُ ، وَسَلَّمْنَا للهِ أَمْرَهُ. أَتَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)؟ وَاللهِ لاََنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ ، فَلاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ . فَنَظَرْتُ في أَمْرِي ، فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي ، وَإِذَا الْمِيثَاقُ في عُنُقِي لِغَيْرِي .

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لاَِنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ : فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلالُ ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمَى ، فَمَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ ، وَلاَ يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ .

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

مُنِيتُ بِمَنْ لاَ يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ وَلاَ يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ ، لاَ أَباً لَكُمْ ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ ؟ أَمَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ ، وَلاَ حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُمْ ! أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً ، وَاُنَادِيكُمْ مُتَغَوِّثاً  ، فَلاَ تَسْمَعُونَ لِي قَوْلا ، وَلاَ تُطِيعُونَ لِي أَمْراً ، حَتَّى تَكَشَّفَ الاُْمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَساءَةِ ، فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ ، وَلاَ يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ ، دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الاَْسَرِّ ، وَتَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ الْنِّضْوِ الاْدْبـَرِ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَىَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) .

 

* أقول : قوله(عليه السلام): «مُتَذَائِبٌ» أي مضطربٌ ، مِن قولِهِم: تذاءَبَتِ الريحُ ، أي اضطَرَبَ هُبوبُها ، ومِنه سُمِّيَ الذئبُ ذئباً ، لاضطرابِ مِشيَتِهِ .

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

فِي الخوارجِ لَمّا سَمِعَ قَولَهُم : « لا حُكْمَ إلاّ للهِ »

 

(قالَ(عليه السلام):) كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ ! نَعَمْ إِنَّهُ لاَ حُكْمَ إِلاَّ للهِ ، وَلكِنَّ هؤُلاَءِ يَقُولُونَ : لاَ إِمْرَةَ إِلاَّ للهِ ، وَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرٍّ أَوْ فَاجِر يَعْمَلُ في إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ ، وَيُبَلِّغُ اللهُ فِيهَا الاَْجَلَ ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ ; حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر .

وفي رواية أُخرى أنَّه(عليه السلام) لَمّا سَمِعَ تَحكِيمَهُم قالَ : حُكْمَ اللهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ .

(وَقالَ:) أَمَّا الاِْمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا التَّقِيُّ ; وَأَمَّا الاِْمْرَةُ الْفَاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِىُّ ; إِلى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ ، وَتُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ ، وَلاَ أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقى مِنْهُ ، وَلا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ . وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا في زَمَان قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً ، وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْنِ الْحِيلَةِ . مَا لَهُمْ  ! قَاتَلَهُمُ اللهُ ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهُ مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ ،

فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْن بَعْدَ الْقَدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ : اتِّبَاعُ الْهَوَى ، وَطُولُ الاَْمَلِ ; فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ ، وَأَمَّا طُولُ الاَْمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ . أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ ; فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُّهَا . أَلاَ وَإِنَّ الآخِرَةِ قَدْ أَقْبَلَتْ ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ كُلَّ وَلَد سَيُلْحَقُ بأُمِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ ، وَغَداً حِسَابٌ ، وَلاَ عَمَلَ .

 

* أقول : الحَذّاءُ ، السريعةُ ، وَمِنَ الناسِ مَن يُروِيهِ «جَذّاء»  بِالجيمِ وَ الذّالِ، أي اِنقَطَعَ دَرُّها وَ خَيرُها.

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

وَقَدْ أشارَ عَليه أصحابَهُ بِالاستعدادِ لِحربِ أهلِ الشامِ بَعدَ إرسالِهِ

جَريرَ بنَ عبدِ  اللهِ البَجَلِّي إِلى مُعاويَةَ

 

إِنَّ اسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَجَرِيرٌ عِنْدَهُمْ ، إِغْلاَقٌ لِلشَّامِ وَصَرْفٌ لاَِهْلِهِ عَنْ خَيْر إِنْ أَرَادُوهُ . وَلكِنْ قَدْ وَقَّتُّ لِجَرِير وَقْتاً لاَ يُقِيم بَعْدَهُ إِلاَّ مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِياً . وَالرَّأْيُ عِنْدِي مَعَ الاْنـَاةِ فَأَرْوِدُوا ، وَلاَ أَكْرَهُ لَكُمُ الاِْعْدَادَ .

وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هـذَا الاَْمْرِ وَعَيْنَهُ ، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطْنَهُ ، فَلَمْ أَرَ لِي إِلاَّ الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه وآله) . إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى الاُْمَّةِ وَال أَحْدَثَ أَحْدَاثاً ، وَأَوْجَدَ لِلنَّاسِ مَقَالا ، فَقَالُوا ، ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

لَمّا هَرَبَ مَصْقَلة بنُ هُبَيرةِ الشَّيبانِي إلى مُعاوِيَةَ ، وَكانَ

قَد ابْتاعَ سَبْيَ بَنِي ناجِيَة مِن عامِلِ أميرِ المؤمنِينَ(عليه السلام) وَأعْتَقَهُمْ ،

فَلَمّا طالَبهُ بِالمالِ خاسَ بِه وَ هَرَبَ إِلى الشّام

قَبَّحَ اللهُ مَصْقَلَةَ ! فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ ، وَفَرَّ فِرَارَ الْعَبِيدِ ! فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ ، وَلاَ صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ ، وَلَوْ أَقَامَ لاََخَذْنَا مَيْسُورَهُ ، وَانْتَظَرْنَا بِمَالِهِ وُفُورَهُ .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

الْحَمْدُ للهِ غَيْرَ مَقْنُوط مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَلاَ مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ ، وَلاَ مَأْيُوس مِنْ مَغْفِرَتِهِ ، وَلاَ مُسْتَنْكَف عَنْ عِبَادَتِهِ ، الَّذِي لاَ تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ ، وَلاَ تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ .

وَالدُّنْيَا دَارٌ مُنِيَ لَهَا الْفَنَاءُ ، وَلاَِهْلِهَا مِنْهَا الْجَلاَءُ ، وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضْرَاءُ ، وَقَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ ، وَالْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ ; فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ ، وَلاَ تَسْأَلُوا فِيهَا فَوْقَ الْكَفَافِ ، وَلاَ تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلاَغِ .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

عِندَ عَزْمِهِ عَلَى المَسيرِ إِلىَ الشّامِ

 

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الاَْهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ . اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ ، وَأَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الاَْهْلِ ، وَلاَ يَجْمَعُهُما غَيْرُكَ ; لاَِنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لاَ يَكُونُ مُسْتَصْحَباً ، وَالْمُسْتَصْحَبُ لاَ يَكُونُ مُسْتَخْلَفاً .

 

* أقول: وَابْتِداءُ هذَا الكلامِ مَروِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) ، وَقَدْ قَفّاهُ

أمِيرُالمؤمِنِينَ(عليه السلام) بِأَبلغِ كلام وَتَمَّمَهُ بِأحْسَنِ تَمام ; مِن قَولِهِ : « وَلاَ يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ » إِلى آخِرِ الفَصلِ .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

فَي ذِكْرِ الكُوفَةِ

 

كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الاَْدِيمِ الْعُكَاظِي ، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ ، وَتُرْكَبِينَ بِالزَّلاَزِلِ ، وَإِنِّي لاََعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلاَّ ابْتَلاَهُ اللهُ بِشَاغِل ، وَ رَمَاهُ بِقَاتِل !

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

عِندَ المَسِيرِ إِلىَ الشّامِ

 

الْحَمْدُ للهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ وَغَسَقَ ، وَالْحَمْدُ للهِ كُلَّمَا لاَحَ نَجْمٌ وَخَفَقَ ، وَالْحَمْدُ للهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الاِْنْعَامِ ، وَلاَ مُكَافَإِ الاِْفْضَالِ .

أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدَّمَتِي ، وَأَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هـذَا الْمِلْطَاطِ ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هـذِهِ النُّقْطَةَ إِلَى شِرْذِمَة مِنْكُمْ ، مُوَطِّنِينَ أَكْنَافَ دَجْلَةَ ، فَأُنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ ، وَأَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ الْقُوَّةِ لَكُمْ .

 

* أقُولُ : يَعنِي ـ عَلَيه السَّلام ـ بِالمِلطاطِ هاهُنا السّمْتَ الَّذِي أمَرَهُم بِلُزُومِهِ ، وَهُوَ شاطِئُ الفُراتِ ، وَيُقالُ ذلِكَ ـ أيضاً ـ لِشاطِئ البَحْرِ ، وَأصلُهُ ما استَوى مِنَ الأرضِ . وَيَعنِي بِالنُطْفَةِ ماءُ الفراتِ ، وَهُوَ مِن غَريبِ العباراتِ وَعَجِيبِها .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الاُْمُورِ ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلاَمُ الظُّهُورِ ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ ; فَلاَ عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ ، وَلاَ قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ : سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلاَ شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ ، وَقَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلاَ شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ . فَلاَ اسْتعْلاَؤٌهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْء مِنْ خَلْقِهِ ، وَلاَ قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ . لم يَطلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ ، وَلَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاَمُ الْوُجُودِ ، عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كَبِيراً !

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتابُ اللهِ ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالا ، عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ . فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ ; وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ ، انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ ; وَلكِن يُؤْخَذُ مِنْ هـذَا ضِغْثٌ ، وَمِنْ هـذَا ضِغْثٌ ، فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

لَمّا غَلَبَ أَصحابُ مُعاوِيةَ أصحابَهُ(عليه السلام) عَلى شَرِيعَةِ الفُراتِ

بِصِفِّينَ وَمَنَعُوهُمْ مِنَ الماءِ

 

قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ ، فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّة ، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّة ; أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاء ; فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ

مَقْهُورِينَ ، وَالْحَيَاةُ في مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ . أَلاَ وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً مِنَ الْغُوَاةِ ، وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّةِ .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

* وَ قَدْ تَقَدَّمَ مُختارُها بِروايَة، وَ نَذْكُرها هاهُنا بِروايَة لِتَغايُرِ الرَّوايَتَينِ

أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ ، وَآذَنَتْ بِانْقِضَاء ، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُهاوَأَدبـَرَتْ حَذَّاءَ ، فَهِيَ تَحْفِزُ بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا ، وَتَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا ، وَقَدْ أَمَرَّ مِنهَا مَا كَانَ حُلْواً ، وَكَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً ، فَلَمْ يَبقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الاْدَاوَةِ أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ ، لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ . فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللهِ الرَّحِيلَ عَنْ هـذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُور عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ ; وَلاَ يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الاَْمَلُ ، وَلاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيهَا الاَْمَدُ .

فَوَاللهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ ، وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ ، وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِ الرُّهْبَانِ ، وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الاَْمْوَالِ وَالاَْوْلاَدِ ، الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَة عِنْدَهُ ، أَوْ غُفْرَان سَيِّئَة أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ ، وَحَفِظَهَا رُسُلُهُ ، لَكَانَ قَلِيلا فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ .

وَاللهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلُوبُكُمْ انْمِيَاثاً ، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَة إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَة مِنْهُ دَماً ، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا ، مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةٌ ، مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ ـ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ ، وَهُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلإيمَانِ .

 

فِي ذِكرِ يَومِ النَّحرِ وَصفَةِ الأَضحِيَةِ

 

وَمِنْ تَمَامِ الأُضْحِيَةِ اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا ، وَسَلاَمَةُ عَيْنِهَا ، فَإِذَا سَلِمَتِ الاُْذُنُ وَالْعَيْنُ سَلِمَتِ الاَْضْحِيَةُ وَتَمَّتْ ، وَلَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ الْقَرْنِ تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى الْمَنْسَكِ .

 

* أقول : وَ المَنْسَكُ ها هُنا المَذبَحُ .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

فِي ذِكرِ البَيعَةِ

 

فَتَدَاكُّوا عَلَيَّ تَدَاكَّ الاِْبِلِ الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا ، وَقَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا ، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِي ، أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْض لَدَيَّ . وَقَدْ قَلَّبْتُ هـذَا الاَْمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ . فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُني إِلاَّ قِتَالُهُمْ أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ(صلى الله عليه وآله) ; فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الآخِرَةِ .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

وَقَدِ اسْتَبْطَأَ أصحابَهُ إذنَهُ لَهُم فِي القِتالِ بِصِفِّينَ

 

أَمَّا قَوْلُكُمْ : أَكُلَّ ذلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ ؟ فَوَاللهِ مَا أُبَالِي ; دَخَلْتُ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَيَّ . وَأَمَّا قَوْلُكُمْ شَكَّاً في أَهْلِ الشَّامِ !

فَوَاللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي ، وَتَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي ، وَذلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلاَلِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ(صلى الله عليه وآله) ; نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَعْمَامَنَا : مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ، وَمُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ ، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الاَْلَمِ ، وَجِدّاً في جِهَادِ الْعَدُوِّ ; وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلاَنِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا : أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا ، وَمَرَّةً لِعَدُوِّنا مِنَّا ، فَلَمَّا رَأَى اللهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الاسْلاَمُ مُلْقِياً جِرَانَهُ ، وَمُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ . وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ ، وَلاَ اخْضَرَّ لِلإِيمَانِ عُودٌ . وَايْمُ اللهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً ، وَلَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً !

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

أَما إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ ، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ ، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ ، وَيَطْلُبُ مَا لاَ يَجِدُ ، فَاقْتُلُوهُ ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ ! ألاَ وَإنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي ; فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي ، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ ، وَلَكُم نَجَاةٌ ; وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلاَ تَتَبَرَّؤا مِنِّي ; فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَسَبَقْتُ إِلَى الإيمَانِ وَالْهِجْرَةِ .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

كَلَّمَ بِهِ الخَوارجَ

 

أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ ، وَلاَ بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرٌ . أَبَعْدَ إِيمَانِي بِاللهِ وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) ، أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ ! (لَقَدْ ظَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)! فَأُوبُوا شَرَّ مَآب ، وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الاَْعْقَابِ أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاًّ شَامِلا ، وَسَيْفاً قَاطِعاً ، وَأَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمونَ فِيكُمْ سُنَّةً .

 

* أقول: قوله(عليه السلام): « وَلا بَقِيَ مِنكم آبِرٌ » يُروى عَلى ثلاثَةِ أوجه : أحَدُها : أنْ يَكونَ كَما ذَكرناهُ «آبِرٌ» بِالراءِ ، مِنْ قَولِهِم رجلٌ ابِرٌ لِلَّذِي يَأبُرُ النخل ـ أَي :

يُصْلِحُهُ ـ وَ يُروى «آثِرٌ» بِالثاءِ بِثلاثِ نُقَط، يُرادُ الَّذِي يَأثُرُ الحَديثَ أَي يَرْوِيه وَ يَحْكِيهِ ، وَهُوَ أصَحُّ الوُجُوهِ عِندِي  ، كأنَّهُ(عليه السلام) قالَ : لا بَقِيَ مِنكُمْ مُخبِرٌ ! وَيُروى «آبِزٌ» ـ بِالزايِ المُعْجَمِة ـ وَهُوَ الواثِبُ . وَالهالِكُ ـ أيضاً ـ يُقالُ لَهُ : آبِزٌ .

 

 

وَ قالَ عَلَيه السَّلامُ

لَمّا عَزَمَ عَلى حَربِ الخَوارِجِ ،

وَقِيلَ لَهُ : «إنَّ القَومَ عَبَرُوا جِسرَ النَهروانِ !»

 

مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ ، وَاللهِ لاَ يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ ، وَلاَ يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ .

 

* أقول : يَعنِي بِالنُطفَةِ ماءَ النَّهرِ ، وَهِيَ أفْصَحَ كِنايَةً عَنِ الماءِ وَ إِنْ كانَ كَثِيراً جَمّاً . وَقَدْ أَشَرنا إِلى ذلِكَ فِيما تَقَدَّمَ عِندَ مُضِيِّ ما أشْبَهَهُ .

 

 

وَ قالَ عَلَيه السَّلامُ

لَمّا قَتَلَ الخَوارِجُ

فَقِيلَ لَهُ : «يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ ، هَلَكَ القومُ بِأَجْمَعِهِمْ!»

 

كَلاَّ وَالله ; إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلاَبِ الرِّجَالِ ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلاَّبِينَ .

 

وَ قالَ عَلَيه السَّلامُ

فِى الخَوارِجِ

 

لاَ تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي ; فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ .

 

* أقول: يعني معاوِيَةَ وَأصحابَهُ .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

لَمّا خُوِّفَ مِنَ الغِيلَةِ

 

وَإِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللهِ جُنَّةً حَصِينَةً ، فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي انْفَرَجَتْ عَنِّي وَأَسْلَمَتْنِي ، فَحِينَئِذ لاَ يَطِيشُ السَّهْمُ ، وَلاَ يَبْرَأُ الْكَلْمُ .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

أَلاَ إِنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لاَ يُسْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ فِيهَا ، وَلاَ يُنْجَى بِشَىْء كَانَ لَهَا : ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً ، فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ ،

وَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ ; فَإِنَّهَا عِنْدَ ذُوِي الْعُقُولِ كَفَيءِ الظِّلِّ ، بَيْنَا تَرَاهُ سَابِغاً حَتَّى قَلَصَ ، وَزَائِداً حَتَّى نَقَصَ .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ ، وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ ، وَتَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ ، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ ، وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا ، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَار فَاسْتَبْدَلُوا ; فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً ، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً ، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ . وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِ الْمُدَّةِ . وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ : اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الاَْوْبَةِ . وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالْفَوْزِ أَوِ الشِّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌّ لاَِفْضَلِ الْعُدَّةِ . فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا، مِنَ الدُّنْيَا ، مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً. فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ ، نَصَحَ نَفْسَهُ ، وَقَدَّمَ تَوْبَتَهُ ، وَغَلَبَ شَهْوَتَهُ ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ ، وَالشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ ، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا ، وَيُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا  ، حَتَّى تَهْجَمُ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا . فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى ذِي غَفْلَة أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً ، وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى شِّقْوَة ! نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ، وَلاَ تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ ، وَلاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَلاَ كَآبَةٌ .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالا ، فَيَكُونَ أَوَّلا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً ، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً ; كُلُّ مُسَمّىً بِالْوَحْدَةِ غَيْرُهُ قَلِيلٌ ، وَكُلُّ عَزِيز غَيْرُهُ ذَلِيلٌ ، وَكُلُّ قَوِيٍّ غَيْرُهُ ضَعِيفٌ ، وَكُلُّ مَالِك غَيْرُهُ مَمْلُوكٌ ، وَكُلُّ عَالِم غَيْرُهُ مُتَعَلِّمٌ ، وَكُلُّ قَادِر غَيْرُهُ يَقْدِرُ ويَعْجَزُ ، وَكُلُّ سَمِيع غَيْرُهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الاَْصْوَاتِ ، وَيُصِمُّهُ كَبِيرُهَا ، وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا ، وَكُلُّ بَصِير غَيْرُهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيِّ الاَْلْوَانِ وَلَطِيفِ الاَْجْسَامِ ، وَكُلُّ ظَاهِر غَيْرُهُ بَاطِنٌ ، وَكُلٌ بِاطِن غَيْرُهُ غَيْرُ ظَاهِر . لَمْ يَخْلُقُ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَان ، وَلاَ تَخَوُّف مِنْ عَوَاقِبَ زَمَان ، وَلاَ اسْتِعَانَة عَلَى نِدٍّ مُثَاوِر ، وَلاَ شَرِيك مُكَاثِر ، وَلاَ ضِدٍّ مُنَافِر ; وَلكِنْ خَلاَئِقُ مَرْبُوبُونَ ، وَعِبَادٌ دَاخِرُونَ ، لَمْ يَحْلُلْ فِي الاَْشْيَاءِ فَيُقَالَ : هُوَ فيها كَائِنٌ ، وَلَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ : هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ . لَمْ يَؤُدْهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ ، وَلاَ تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ ، وَلاَ وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ ، وَلاَ وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وَقَدَّرَ ، بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ ، وَعِلْمٌ مُحْكَمٌ ، وَأَمْرٌ مُبْرَمٌ . الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ ، الْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ!

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ! اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ ، وَتَجَلْبَبُوا السَّكِينَةَ ، وَعَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ وَأَكْمِلُوا اللاَّْمَةَ ، وَقَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا وَالْحَظُوا الْخَزْرَ ، وَاطْعَنُوا الشَّزْرَ ، وَنَافِحُوا بِالظُّبَا ، وَصِلُوا السُّيُوفَ بِالْخُطَا ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللهِ ، وَمَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) . فَعَاوِدُوا الْكَرَّ ، وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ ، فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الاَْعْقَابِ ، وَنَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ . وَطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً ، وَامْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً ، وَعَلَيْكُمْ بِهـذَا السَّوَادِ الاَْعْظَمِ ، وَالرَّوَاقِ المُطَنَّبِ ، فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فى كِسْرِهِ ، وَقَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً ، وَأَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلا . فَصَمْداً صَمْداً ! حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ (وَأَنْتُمُ الاَْعْلَوْنَ ، وَاللهُ مَعَكُمْ ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ).

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

فِي مَعنَى الأنصارِ

 

}قالُوا لَمَّا انْتَهَتْ إلى أميرِ المُؤمِنِينَ(عليه السلام) أنْباءُ السَّقِيفَة بَعد وَفاة رَسولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله) ، قالَ(عليه السلام): ما قالَتِ الأنصارُ ؟ قالُوا : قالَت : مِنّا أمِيرٌ وَمِنكُم أمِيرٌ . قالَ(عليه السلام):{

فَهَلاَّ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله)وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلى مُحْسِنِهِمْ ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ ؟

 

 

}قالُوا : وَما فِي هذا مِنَ الحُجَّةِ عَلَيهِم؟ فقال(عليه السلام) : لَوْ كَانَتِ الاِْمَارَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنْ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ .

ثُمَّ قالَ(عليه السلام): فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ ؟ قَالُوا : احتجت بأَنَّها شَجَرَةُ الرَّسولِ(صلى الله عليه وآله)، فقال(عليه السلام): احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ ، وَأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ .{

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

لَمّا قَلَّدَ مُحَمَّدَ بنِ أبِي بَكر مِصرَ فَُمِلكَتْ عَلَيهِ وَقُتِلَ

 

وَقَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةَ مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ ; وَلَوْ وَلَّيْتُهُ إِيَّاهَا لَمَّا خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ ، وَلاَ أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ ، بِلاَ ذَمٍّ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْر ، فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً ، وَكَانَ لِي رَبِيباً.

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

فِي ذَمِّ أصحابِهِ

 

كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ ، وَالثِّيَابُ الْمُتَدَاعِيَةُ ! كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِب تَهَتَّكَتْ مِنْ آخَرَ ، كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُل مِنْكُمْ بَابَهُ ، وَانْجَحَرَ انْجِحَارَ الضَّبَّةِ في جُحْرِهَا ، وَالضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا . الذَّلِيلُ وَاللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ ! وَمَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِل . إِنَّكُمْ ـ وَاللهِ ـ لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ ، قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ ، وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ ، وَلكِنِّي ـ وَ اللّهِ ـ لاَ أَرَى إِصْلاَحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسي . أَضْرَعَ اللهُ خُدُودَكُمْ ، وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ ! لاَ تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ ، وَلاَ تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ !

 

 

وَ قالَ عَلَيه السَّلامُ

فِي سُحْرَةِ اليومِ الَّذِي ضُرِبَ فِيهِ

 

مَلَكَتْنِي عَيْنِي وَأَنَا جَالِسٌ ، فَسَنَحَ لِي رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله) ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَاذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الاَْوَدِ وَاللَّدَدِ ؟ فَقَالَ : « ادْعُ عَلَيْهِمْ » فَقُلْتُ : أَبْدَلَنِي اللهُ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ ، وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لَهُمْ مِنِّي .

 

* أقول: يعني بالأودِ الإعوجاجِ ، وَ بِاللددِ الخصامَ . وَهذا مِن أفصحِ الكلامِ.

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

فِي ذَمِّ أَهلِ العراقِ

 

أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ وَمَاتَ قَيِّمُهَا ، وَطَالَ تَأَيُّمُهَا ، وَوَرِثَهَا أَبْعَدُهَا . أَمَا وَاللهِ مَا أَتَيْتُكُمْ اخْتِيَاراً ; وَلكِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً . وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : عَلِيٌّ يَكْذِبُ ، قَاتَلَكُمُ اللهُ! فَعَلى مَنْ أَكْذِبُ ؟ أَعَلَى اللهِ ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ ! أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ ! كَلاَّ وَاللهِ ، لكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا ، وَلَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا . وَيْلُ امِّهِ كَيْلا بِغَيْرِ ثَمَن ! لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ .(وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين(1)) .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- القرآن الكريم، سورة ص (38): 88.

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

عَلَّمَ فِيهَا الناسَ الصلاةَ عَلَى النَبِيِّ(صلى الله عليه وآله)

 

اللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ ، وَدَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ ، وَجَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا : شَقِيِّهَا وَسَعِيدِهَا .

اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ ، وَنَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ ، عَلَى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ ، وَالْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ ، وَالْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ ، وَالدَّافِعِ جَيْشَاتِ الاَْبَاطِيلِ ، وَالدَّامِغِ صَوْلاَتِ الاَْضَالِيلِ ، كَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ ، قَائِماً بِأَمْرِكَ ، مُسْتَوْفِزاً فِي مَرْضَاتِكَ ، غَيْرَ نَاكِل عَنْ قُدُم ، وَلاَ وَاه في عَزْم ، وَاعِياً لِوَحْيِكَ ، حَافِظاً لَعَهْدِكَ ، مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ ; حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ ، وَأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ ، وَهُدِيتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ وَالآثَامِ ، وَأَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الاَْعْلاَمِ ، وَنَيِّرَاتِ الاَْحْكَامِ ، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ ، وَخَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ ، وَبَعِيثُكَ بِالْحَقِّ ، وَرَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ.

اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلِّكَ ; وَاجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْر مِنْ فَضْلِكَ . اللَّهُمَّ وَأَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ ، وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ ، وَاجْزِهِ مِنْ ابْتِعَاثِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ ، مَرْضِيِّ الْمَقَالَةِ ، ذَا مَنْطِق عَدْل ، وَخُطَّة فَصْل . اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ وَقَرَارِ النِّعْمَةِ ، وَمُنَى الشَّهَوَاتِ ، وَأَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ ، وَرَخَاءِ الدَّعَةِ ، وَمُنْتَهَى الطُّمَأْنِينَةِ ، وَتُحَفِ الْكَرَامَةِ .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

قالَهُ لِمروانِ بنِ الحَكَمِ بِالبَصرَةِ

 

}قالوا: أُخِذَ مروانُ بنُ الحَكَمِ أَسيراً يومَ الجَمَلِ ، فاستَشفَعَ الحسنَ وَ الحُسينَ(عليهما السلام) إِلى أَمير المؤمنين(عليه السلام) ، فَكلَّماهُ فِيه ، فَخَلّى سَبِيلَهُ ، فَقالا لَهُ : يُبايِعُكَ يا أَميرَ المُؤمِنِينَ ؟ فَقالَ(عليه السلام) :{

أَوَ لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ ؟ لاَ حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ ! إِنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبَّتِهِ أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ ، وَهُوَ أَبُو الاَْكْبُشِ الاَْرْبَعَةِ ، وَسَتَلْقَى الاُْمَّةُ مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ !

 

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

لَمّا عَزَمُوا عَلى بَيعةِ عُثمانَ

 

لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي ; وَوَاللهِ لاَُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ ; وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلاَّ عَلَيَّ خَاصَّةً ، الْتِمَاساً لاَِجْرِ ذلِكَ وَفَضْلِهِ ، وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

لَمّا بَلَغَهُ اتّهامُ بَنِي أُمَيَّةَ لَهُ بِالمُشارِكَةِ فِي دَمِ عُثمانَ

 

أَوَ لَمْ يَنْهَ بَنِي أُمَيَّةَ عِلْمُهَا بِي عَنْ قَرْفي ؟ أَوَ مَا وَزَعَ الْجُهَّالُ سَابِقَتِي عَنْ تُهَمَتِي ! وَلَمَا وَعَظَهُمُ اللهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِي . أَنَا حَجِيجُ الْمَارِقِينَ ، وَخَصِيمُ النَّاكِثِينَ الْمُرْتَابِينَ ، وَعَلَى كِتَابِ اللهِ تُعْرَضُ الاَْمْثَالُ ، وَبِمَا فِي الصُّدُورِ تُجَازَى الْعِبَادُ !

 

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

رَحِمَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى ، وَدُعِيَ إِلَى رَشَاد فَدَنَا ، وَأَخَذَ بِحُجْزَةِ هَاد فَنَجَا . رَاقَبَ رَبَّهُ ، وَخَافَ ذَنْبَهُ ، قَدَّمَ خَالِصاً ، وَعَمِلَ صَالِحاً . اكْتَسَبَ مَذْخُوراً ، وَاجْتَنَبَ مَحْذُوراً ، وَرَمى غَرَضاً ، وَأَحْرَزَ عِوَضاً . كَابَرَ هَوَاهُ ، وَكَذَّبَ مُنَاهُ . جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ ، وَالتَّقْوى عُدَّةَ وَفَاتِهِ . رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ ، وَلَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ . اغْتَنَمَ الْمَهَلَ ، وَبَادَرَ الاَْجَلَ ، وَتَزَوَّدَ مِنْ الْعَمَلِ .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوِّقُونَني تُراثَ مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ تَفْوِيقاً ، وَاللهِ لَئِنْ بَقِيتُ لُهُمْ لاََنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللَّحَّامَ الْوِذَام التَّرِبَةَ !

 

* أقول : وَيُروى « التُّرابَ الوَذَمَةَ » ، وَهُوَ عَلَى القَلبِ. وَقَوله(عليه السلام): « لَيُفَوّقونَني » أي : يُعطُونَنِي مِنَ المالِ قَليلا كَفُواق الناقَةِ ، وَهُوَ الحَلْبَةُ الواحِدَةِ مِنْ لَبَنِها . و «الوِذامُ» : جَمعُ وَذَمة ، وَهِيَ الحُزَّةُ مِنَ الكَرِشِ أوِ الكَبِدِ تَقَعُ فِي التُّرابِ فَتُنْفَضُ .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

يَدعُو بِها

 

اللَّهُمَّ اغْفِر لِي مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَيَّ بِالْمَغْفِرَةِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسِي ، وَلَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِي .

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِسَانِي ، ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِي . اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رَمَزَاتِ الألْحَاظِ ، وَسَقَطَاتِ الألْفَاظِ ، وَشَهَوَاتِ الْجَنَانِ ، وَهَفَوَاتِ اللِّسَانِ .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

قالَهُ لِبعضَ أصحابِهِ لَمّا عَزَمَ عَلَى المَسِيرِ إِلَى الخَوارِجِ ،

وَقَدْ قالَ لَهُ : «يا أميرَ المُؤمِنِينَ ، فِي هذَا الوقتِ خَشِيتُ أنْ لا تَظْفُر

بِمُرادِك مِن طَريِقِ عِلِم النجومِ. فَقالَ(عليه السلام):

 

أَتَزْعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ ؟ وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ ؟ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهـذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ ، وَاسْتَغْنى عَنِ الاِْسْتِعَانَةِ بِاللهِ فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ ; وَتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ ، لاَِنَّكَ ـ بِزَعْمِكَ ـ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا  النَّفْعَ ، وَأَمِنَ الضُّرَّ !!

 

(ثُمَّ أقْبَلَ(عليه السلام) عَلَى النّاسِ، فَقالَ:)

أَيُّهَا النَّاسُ ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلُّمَ النُّجُومِ ، إِلاَّ مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَـرّ أَوْ بَحْر ، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ ، وَالْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ ، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ ! وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ ! سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

بَعدَ فَراغِهِ مِن حَربِ الجَمَلِ ، فِي ذَمِّ النِّساءِ

 

مَعَاشِرَ النَّاسِ ، إِنَّ النّـِسَاءَ نَوَاقِصُ الإيمَانِ ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ نَوَاقِصُ الْعُقُولِ : فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاَةِ والصِّيَامِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ ، وَأَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ ، وَأَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوارِيثُهُنَّ عَلى الاَْنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ . فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ ، وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَر ، وَلاَ تُطِيعُوهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ حَتَّى لاَ يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَرِ .

 

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

أَيُّهَا النَّاسُ ، الزَّهَادَةُ قِصَرُ الاَْمَلِ ، وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ ، وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ ، فَإِنْ عَزَبَ ذلِكَ عَنْكُمْ فَلاَ يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ ، وَلاَ تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُكْرَكُمْ ، فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَج مُسْفِرَة ظَاهِرَة ، وَكُتُب بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَة .

 

 

وَ مِنْ كَلام لَهُ عَلَيه السَّلامُ

فِي صِفَةِ الدُّنيا

 

مَا أَصِفُ مِنْ دَار أَوَّلُهَا عَنَاءٌ ، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ ! فِي حَلاَلِهَا حِسَابٌ ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ . مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ ، وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ ، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ .

 

* أقول : وَإِذا تَأَمَّلَ المُتِأَمِّلُ قَولَهُ(عليه السلام): « وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بصّرَتْهُ  » وَجَدَ تَحْتَهُ  مِنَ المَعنَى العَجِيبِ ، وَالغَرَضِ البَعِيدِ ، ما لا تُبلَغُ غايَتَهُ وَلا يُدْرَكُ غَورُهُ ، لاسِيَّما إِذا قَرَنَ إليهِ قولَهُ : « وَمَنْ أَبْصَرَ إلَيْهَا أعْمَتْهُ » فإنَّهُ يَجِدُ الفَرقَ بَينَ «أبصَرَ بِها» وَ « أبصَرَ إلَيها » واضحاً نَيِّراً ، وَعَجِيباً باهراً!

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

وَ تُسَمَّى «الغَرّاء»، وَ هِيَ مِنَ الخُطَبِ العَجِيبَة

 

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي عَلاَ بِحَوْلِهِ ، وَدَنَا بِطَوْلِهِ ، مَانِحِ كُلِّ غَنِيمَة وَفَضْل ، وَكَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَة وَأَزْل . أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ ، وَسَوَابِغِ نِعَمِهِ ، وَأُومِنُ بِهِ أَوَّلا بَادِياً ، وَأَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً ، وَأَسْتَعِينُهُ قَاهِراً قَادِراً ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ـ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ لإِنْفَاذِ أَمْرِهِ ، وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ وَتَقْدِيمِ نُذُرِهِ .

 

و منها:

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِى ضَرَبَ لَكُمُ الاَْمْثَالَ ، وَوَقَّتَ لَكُمُ الآجَالَ ، وَأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ ، وَأَرْفَغَ لَكُمُ الْمَعَاشَ ، وَأَحَاطَ بِكُمُ الإحْصَاءَ، وَأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ ، وَآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ ، وَالرِّفَدِ الرَّوَافِغِ ، وَأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ ، فَأَحْصَاكُمْ عَدَدَاً ، وَوَظَّفَ لَكُمْ مُدَداً ، فِي قَرَارِ خِبْرَة ، وَدَارِ عِبْرَة ، أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا ، وَمُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا .

فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا ، رَدِغٌ مَشْرَعُهَا ، يُونِقُ مَنْظَرُهَا ، وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا . غُرُورٌ حَائِلٌ ، وَضَوْءٌ آفِلٌ ، وَظِلٌّ زَائِلٌ ، وَسِنَادٌ مَائِلٌ ، حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا ، وَاطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا ، قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا ، وَقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا ، وَأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا ، وَأَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ قَائِدَةً لَهُ إِلى ضَنْكِ الْمَضْجَعِ ، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ ، وَمُعَايَنَةِ الْمَحَلِّ وَثَوَابِ الْعَمَلِ ، وَكَذلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ ، لاَ تُقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً ، وَلاَ يَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً ، يَحْتَذُونَ مِثَالا ، وَيَمْضُونَ أَرْسَالا ، إِلَى غَايَةِ الاِْنْتِهَاءِ ، وَصَيُّورِ الْفَنَاءِ حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الاُْمُورِ ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ ، وَأَزِفَ النُّشُورُ ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ ، وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ ، وَأَوْجِرَةِ السِّبَاعِ ، وَمَطَارِحِ الْمَهَالِكِ ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ ، مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ ، رَعِيلا صُمُوتاً ، قِيَاماً صُفُوفاً ، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاِسْتِكَانَةِ، وَضَرَعُ الاِسْتِسْلاَمِ وَالذِّلَّةِ . قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ ، وَانْقَطَعَ الاَْمَلُ  ، وَهَوَتِ الاَْفْئِدَةُ كَاظِمَةً ، وَخَشَعَتِ الاَْصْوَاتُ مُهَيْنَمَةً ، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ ، وَعَظُمَ الشَّفَقُ ، وَأُرْعِدَتِ الاَْسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ ، وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ ، وَنَكَالِ الْعِقَابِ ، وَنَوَالِ الثَّوَابِ .

عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً ، وَمَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً ، وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَارَاً ، وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً ، وَكَائِنُونَ رُفَاتاً ، وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً ، وَمَدِينُونَ جَزَاءً ، وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً . قَدْ أُمْهِلُوا في طَلَبِ الْمَخْرَجِ ، وَهُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَجِ ; وَعُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ ، وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّيَبِ ، وَخُلُّوا لِمِضْمَارِ الْجِيَادِ ، وَرَوِيَّةِ الاِرْتِيَادِ ، وَأَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ ، فِي مُدَّةِ الاَْجَلِ ، وَمُضْطَرَبِ الْمَهَلِ .

فَيَالَهَا أَمْثَالا صَائِبَةً ، وَمَواعِظَ شَافِيَةً ، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً ، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةً ، وَآرَاءً عَازِمَةً ، وَأَلْبَاباً حَازِمَةً ! فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ ، وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ ، وَوَجِلَ فَعَمِلَ ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ ، وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ ، وَعُبِّرَ فَاعْتَبَرَ ، وَحُذِّرَ فَحَذِرَ ، وَزُجِرَ فَازْدَجَرَ ، وَأَجَابَ فَأَنَابَ ، وَرَاجَعَ فَتَابَ ، وَاقْتَدَى فَاحْتَذَى ، وَأُرِيَ فَرَأَى ، فَأَسْرَعَ طَالِباً ، وَنَجَا هَارِباً ، فَأَفَادَ ذَخِيرَةً ، وَأَطَابَ سَرِيرَةً ، وَعَمَّرَ مَعَاداً ، وَاسْتَظْهَرَ زَاداً ، لِيَوْمِ رَحِيلِهِ وَوَجْهِ سَبِيلِهِ ، وَحَالِ حَاجَتِهِ ، وَمَوْطِنِ فَاقَتِهِ ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ . فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ ، وَاحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ ، وَاسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُّزِ لِصِدْقِ مِيعَادِهِ ، وَالْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ .

 

و منها:

جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا ، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا ، وَأَشْلاَءً جَامِعَةً لاَِعْضَائِهَا ، مُلاَئِمَةً لاَِحْنَائِهَا ، فِي تَرْكِيبِ صُوَرِهَا ،

وَمُدَدِ عُمُرِهَا ، بِأَبْدَان قَائِمَة بِأَرْفَاقِهَا ، وَقُلُوب رَائِدَة لاَِرْزَاقِهَا  ، فِي مُجَلِّلاَتِ نِعَمِهِ ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ ، وَحَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ . وَقَدَّرَ لَكُم أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ ، وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاَقِهمْ ، وَمُسْتَفْسحِ خَنَاقِهِمْ . أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الآمَالِ ، وَشَذَّبَهمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الآجَالِ لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلاَمَةِ الاَْبْدَانِ ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنُفِ الاَْوَانِ . فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بِضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلاَّ حَوَانِيَ الْهَرَمِ ؟ وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلاَّ نَوَازِلَ السَّقَمِ ؟ وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلاَّ آوِنَةَ الْفَنَاءِ ؟ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ، وَأُزُوفِ الاِنْتِقَالِ ، وَعَلَزِ الْقَلَقِ وَأَلَمِ الْمَضَضِ،

وَغُصَصِ الْجَرَضِ وَتَلَفُّتِ الاِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَالاَْقْرِبَاءِ، وَالاَْعِزَّةِ وَالْقُرَنَاءِ ! فَهَلْ دَفَعَتِ الاَْقَارِبُ ؟ أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ؟ ، وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الاَْمْوَاتِ رَهِيناً  ، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً ، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ ، وَعَفَتِ الْعَواصِفُ آثَارَهُ ، وَمَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ ، وَصَارَتِ الاَْجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا  ، وَالْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا ، وَالاَْرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا ، مُوقِنَةً بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا ، لاَ تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا ، وَلاَ تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّىءِ زَلَلِهَا ! أَوَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالآبَاءَ ، وَإِخْوَانَهُمْ وَالاَْقْرِبَاءَ ؟ تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ ، وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُم ، وَتَطَؤُونَ جَادَّتَهُمْ ؟! فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا ، لاَهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا ، سَالِكَةٌ في غَيْرِ مِضْمَارِهَا ! كَأَنَّ الْمَعْنِيَّ سِوَاهَا  ، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا .

 

و منها:

وَاعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَمَزَالِقِ دَحْضِهِ ، وَأَهَاوِيلِ زَلَلِهِ ، وَتَارَاتِ أَهْوَالِهِ ; فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ ، وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ  ، وَأَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ ، وَأَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ ، وَظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ ، وَأَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ ، وَقَدَّمَ الْخَوْفَ لاَِمَانِهِ ، وَتَنَكَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ ، وَسَلَكَ أَقْصَدَ المَسَالِكِ إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ ; وَلَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلاَتُ الْغُرُورِ ، وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الاُْمُورِ ، ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى ، وَرَاحَةِ النُّعْمَى ، فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ ، وَآمَنِ يَوْمِهِ . قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً ، وَقَدَّمَ زَادَ الآجِلَةِ سَعِيداً ، وَبَادَرَ مِنْ وَجَل ، وَأَكْمَشَ فِي مَهَل ، وَرَغِبَ فِي طَلَب، وَذَهَبَ عَنْ هَرَب ، وَرَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ ، وَنَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ . فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَنَوَالا ، وَكَفَى بِالنَّار عِقَاباً وَوَبَالا ! وَكَفَى بِاللهِ مُنْتَقِماً وَنَصِيراً ! وَكَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً وَخَصِيماً !

 

و منها:

أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ ، وَاحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ ، وَحَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً ، وَنَفَثَ فِي الآذَانِ نَجِيّاً ، فَأَضَلَّ وَأَرْدَى ، وَوَعَدَ فَمَنَّى ، وَزَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ ، وَهَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِمِ ، حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ ، وَاسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ ، أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ ، وَاسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ ، وَحَذَّرَ مَا أَمَّنَ .

 

ومنها فِي صِفَةِ خَلقِ الإنسان:

أَمْ هـذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الاَْرْحَامِ ، وَشُغُفِ الاَْسْتَارِ ، نُطْفَةً دِهَاقاً ، وَعَلَقَةً مِحَاقاً ، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً ، وَوَلِيداً وَيَافِعاً ، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً ، وَلِساناً لاَفِظاً ، وَبَصَراً لاَحِظاً ، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً ، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً; حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ ، وَاسْتَوَى مِثَالُهُ ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً ، وَخَبَطَ سَادِراً ، مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ ، كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ ، فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ ، وَبَدَوَاتِ أَرَبِهِ ; ثُمَّ لاَ يَحْتَسِبُ رَزِيَّةً ، وَلاَ يَخْشَعُ تَقِيَّةً ; فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً ، وَعَاشَ فِي هَفْوَتِهِ يَسِيراً ، لَمْ يُفِدْ عِوَضاً ، وَلَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً . دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ ، وَسَنَنِ مِرَاحِهِ ، فَظَلَّ سَادِراً ، وَبَاتَ سَاهِراً ، فِي غَمَرَاتِ الاْلاَمِ ، وَطَوَارِقِ الاَْوْجَاعِ وَالاَْسْقَامِ ، بَيْنَ أَخ شَقِيق ، وَوَالِد شَفِيق ، وَدَاعِيَة بِالْوَيْلِ جَزَعاً، وَلاَدِمَة لِلصَّدْرِ قَلَقاً ; وَالْمَرْءُ فِي سَكْرَة مُلْهِثَة ، وَغَمْرَة كَارِثَة ، وَأَنَّة مُوجِعَة ، وَجَذْبَة مُكْرِبَة ، وَسَوْقَة مُتْعِبَة . ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً ، وَجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً ، ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الاَْعْوَادِ رَجِيعَ وَصَب ، وَنِضْوَسَقَم ، تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ ، وَحَشَدَةُ الاِْخْوَانِ ، إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ ، وَمُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ; حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ ، وَرَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ ، أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ ، وَعَثْرَةِ الاِمْتِحَانِ . وَأَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِيَّةً نُزُولُ الْحَمِيم ، وَتَصْلِيَةِ الْجَحِيمِ ، وَفَوْرَاتُ السَّعِيرِ ، وَسَوْرَاتُ الزَّفِيرِ ، لاَ فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ ، وَلاَ دَعَةٌ مُزِيحَةٌ ، وَلاَ قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ ، وَلاَ مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ وَلاَ سِنَةٌ مُسَلِيَةٌ ، بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ ، وَعَذَابِ السَّاعَاتِ ! إِنَّا بِاللهِ عَائِذُونَ !

عِبَادَ اللهِ ، أَيْنَ الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا ، وَعُلِّمُوا فَفَهِمُوا ، وَأُنْظِرُوا فَلَهَوْا ، وَسَلِمُوا فَنَسُوا ! أُمْهِلُوا طَوِيلا ، وَمُنِحُوا جَمِيلا ، وَحُذِّرُوا أَلِيماً ، وَوُعِدُوا جَسِيماً ! احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَةَ ، وَالْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةَ . أُولِي الاَْبْصَارِ وَالاَْسْمَاعِ ، وَالْعَافِيَةِ وَالْمَتَاعِ ، هَلْ مِنْ مَنَاص أَوْ خَلاَص ، أَوْ مَعَاذ أَوْ مَلاَذ ، أَوْ فِرَار أَوْ مَحَار ! أَمْ لاَ ؟ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ! أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ ! أَمْ بِمَاذَا تَغْتَرُّونَ ! وَإِنَّمَا حَظُّ أَحَدِكُمْ مِنَ الاَْرْضِ ، ذَاتِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ ، قِيدُ قَدِّهِ ، مُتَعَفِّراًعَلَى خَدِّهِ ! الآنَ عِبَادَ اللهِ وَالْخِنَاقُ مُهْمَلٌ ، وَالرُّوحُ مُرْسَلٌ ، فِي فَيْنَةِ الاِْرْشَادِ ، وَرَاحَةِ الاَْجْسَادِ، وَبَاحَةِ الاِحْتِشَادِ ، وَمَهَلِ الْبَقِيَّةِ ، وَأُنـُفِ الْمَشِيَّةِ ، وَإِنْظَارِ التَّوْبَةِ ، وَانْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ ، قَبْلَ الضَّنْكِ وَالْمَضِيقِ ، وَالرَّوْعِ وَالزُّهُوقِ ، وَقَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ الْمُنْتَظَرِ وَأخْذَةِ الْعَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ .

 

* اقول: وَفِي الخَبَرِ أنَّهُ(عليه السلام) لَمّا خَطَبَ بِهذِهِ الخُطبَةِ اقْشَعَرَّتْ لَها الجُلُودُ ، وَبَكَتِ العُيُونُ ، وَ رَجَفَتِ القُلُوبُ ، وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُسَمِّي هذِهِ الخُطْبَةَ : « الغَرّاءَ » .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

فِي ذِكرِ عَمرِو بنِ العاصِ

 

عَجَباً لاِبْنِ النَّابِغَةِ ! يَزْعَمُ لاَِهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِيَّ دُعَابَةً ، وَأنـِّي امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ : أُعَافِسُ وَأُمَارِسُ ! لَقَدْ قَالَ بَاطِلا ، وَنَطَقَ آثِماً . أَمَا ـ وَشَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ ـ إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ ، وَيَعِدُ فَيُخْلِفُ ، وَيُسْأَلُ فَيَبْخَلُ ، وَيَسْأَلُ فَيُلْحِفُ ، وَيَخُونُ الْعَهْدَ ، وَيَقْطَعُ الاِْلَّ ; فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِر وَآمِر هُوَ ! مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا ، فَإِذَا كَانَ ذلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ القومَ سُبَّتَهُ . أَمَا وَاللهِ اِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ

 

الْمَوْتِ ، وَإِنَّهُ لَيَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الآخِرَةِ ، إِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ مُعَاوِيَةَ حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةً ، وَيَرْضَخَ لَهُ عَلى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ : الاَْوَّلُ لاَ شَيْءَ قَبْلَهُ ، وَالآخِرُ لاَ غَايَةَ لَهُ ، لاَ تَقَعُ الاَْوْهَامُ لَهُ عَلى صِفَة ، وَلاَ تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّة ، وَلاَ تَنَالُهُ التَّجْزِءَةُ وَالتَّبْعِيضُ ، وَلاَ تُحِيطُ بِهِ الاَْبْصَارُ وَالْقُلُوبُ .

 

ومنها :

فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللهِ بِالْعِبَرِ النَّوَافِعِ ، وَاعْتَبِرُوا بِالآي السَّوَاطِعِ ، وَازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ الْبَوَالِغِ ، وَانْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَالْمَوَاعِظِ ، فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخالِبُ المَنِيَّة ، وانْقَطَعَتْ مِنكُمْ عَلائِقُ الأمْنِيَّة ، ودَهَمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الاُْمُورِ ، وَالسِّيَاقَةُ إِلَى الْوِرْدِ الْمَوْرُودِ ، ( وَ كُلُّ نَفْس مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ(1)): سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا ; وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- القرآن الكريم، سورة ق (50): 21.

دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاَتٌ ، وَمَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ ، لاَ يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا ، وَلاَ يَظْعَنُ مُقِيمُهَا ، وَلاَ يَهْرَمُ خَالِدُهَا ، وَلاَ يَبْأَسُ سَاكِنُهَا .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ ، وَخَبَرَ الضَّمَائِرَ ، لَهُ الاِْحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْء ، وَالْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْء ، وَالْقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْء . فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ، قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ ، وَفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغُلِهِ ، وَفِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ ، وَلِيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَقَدَمِهِ ، وَلْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ . فَاللهَ اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ ، فِيمَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ ، وَاسْتَوْدَعَكُمْ  مِنْ حُقُوقِهِ ، فَإِنَّ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً ، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى ، وَلَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَة وَلاَ عَمىً ، قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ ، وَعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ ، وَكَتَبَ آجَالَكُمْ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء ، وَعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً ، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَلَكُمْ ـ فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ ـ دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ ; وَأَنْهَى إِلَيْكُمْ ـ عَلَى لِسَانِهِ ـ مَحَابَّهُ مِنَ الاَْعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ، وَنَوَاهِيَهُ وَأَوَامِرَهُ ، وَأَلْقَى إِلَيْكُمُ الْمَعْذِرَةَ ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ ، وَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ، وَأَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد . فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ ، وَاصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ ، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثيرِ الاَْيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ ، وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ ; وَلاَ تُرَخِّصُوا لاَِنْفُسِكُمْ ، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الْظَّلَمَةِ ، وَلاَ تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الاِْدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ .

 

و منها:

عِبَادَ اللهِ ، إِنَّ أَنْصَحِ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ ; وَإِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ ; وَالْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ ، وَالْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ ، والشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَغُرُورِهِ . وَاعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلاِْيمَانِ ، وَمَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ . جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلإِيمَانِ . الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاة وَكَرَامَة ، وَالْكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاة وَمَهَانَة وَلاَ تَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الاِْيمانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ ، وَلاَ تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ ; وَاعْلَمُوا أَنَّ الاَْمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ ، وَيُنْسِي الذِّكْرَ . فَأَكْذِبُوا الاَْمَلَ فَإِنَّهُ غُرُورٌ ، وَصَاحِبُهُ مَغْرُورٌ .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

عِبَادَ اللهِ ، إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ ، وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ ; فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ ، وَأَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ ، وَهَوَّنَ الشَّدِيدَ .

نَظَرَ فَأَبْصَرَ ، وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ ، وَارْتَوَى مِنْ عَذْب فُرَات سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ ، فَشَرِبَ نَهَلا ، وَسَلَكَ سَبِيلا جَدَداً . قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ ، وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ ، إِلاَّ هَمّاً وَاحِدَاً انْفَرَدَ بِهِ ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى ، وَمُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى ، وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى ، وَمَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى . قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُ ، وَعَرَفَ مَنَارَهُ ، وَقَطَعَ غِمَارَهُ ، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا ، وَمِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا ، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ للهِ ـ سُبْحَانَهُ ـ فِي أَرْفَعِ الاُْمُورِ ، مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِد عَلَيْهِ ، وَتَصْييرِ كُلِّ فَرْع إِلَى أَصْلِهِ . مِصْبَاحُ ظُلُمَات . كَشَّافُ عَشَوَات ، مِفْتَاحُ مُبْهَمَات ، دَفَّاعُ مُعْضَلاَت ، دَلِيلُ فَلَوَات ، يَقُولُ فَيُفْهِمُ ، وَيَسْكُتُ فَيَسْلَمُ . قَدْ أَخْلَصَ للهِ فَاسْتَخْلَصَهُ ، فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ ، وَأَوْتَادِ أَرْضِهِ . قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ ، فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ ، يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ ، لاَ يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلاَّ أَمَّهَا ، وَلاَ مَظِنَّةً إِلاَّ قَصَدَهَا ، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ ، فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ ، وَيَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ .

 

و منها:

وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّال ، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاَّل ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُور ، وَقَوْلِ زُور ; قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ ; وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ ، يُؤَمِّنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ ، يَقُولُ : أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ ، وَفِيهَا وَقَعَ ; وَيَقُولُ : أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ ، وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ ; فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَان ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَان ، لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ ، وَلاَ بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ . فَذلِكَ مَيِّتُ الاَْحْيَاءِ !

فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ؟ وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ! وَالاَْعْلاَمُ قَائِمَةٌ ، وَالآيَاتُ وَاضِحَةٌ ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ ، فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ ! وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ ! وَهُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ ، وَأَعْلاَمُ الدِّينِ ، وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ ! فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ .

أَيُّهَا النَّاسُ ، خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَلَيْسَ بِمَيِّت ، وَيَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَلَيْسَ بِبَال » فَلاَ تَقُولُوا بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقَّ فِيمَا تُنْكِرُونَ ، وَاعْذِرُوا مَنْ لاَ حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ ـ وَهُوَ أَنَا ـ ، أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الاَْكْبَرِ ! وَأَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الاَْصْغَرَ ! قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الاِْيمَانُ ، وَوَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ ، وَأَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي ، وَفَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي ، وَأَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الاَْخْلاَقِ مِنْ نَفْسِي ، فَلاَ تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لاَ يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ ، وَلاَ تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ .

 

و منها:

حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ ; تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا، وَتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا ، وَلاَ يُرْفَعُ عَنْ هـذِهِ الاُْمَّةِ سَوْطُهَا وَلاَ سَيْفُهَا ، وَكَذَبَ الظَّانُّ لِذلِكَ . بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً ، ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً !

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْر قَطُّ إِلاَّ بَعْدَ تَمْهِيل وَرَخَاء ; وَلَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَد مِنَ الاُْمَمِ إِلاَّ بَعْدَ أَزْل وَبَلاَء ; وَفِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْب وَمَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْب مُعْتَبَرٌ ! وَمَا كُلُّ ذِي قَلْب بِلَبِيب ، وَلاَ كُلُّ ذِي سَمْع بِسَمِيع ، وَلاَ كُلُّ نَاظِر بِبَصِير . فَيَا عَجَباً ! وَمَا لِيَ لاَ أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هـذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلاَفِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا ! لاَ يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ ، وَلاَ يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ ، وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِغَيْب ، وَلاَ يَعِفُّونَ عَنْ عَيْب ، يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ ، وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ . الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا ، وَالْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا ، مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضَلاَتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَتَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ ، كَأَنَّ كُلَّ امْرِىء مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُراً ثِقَات ، وَأَسْبَاب مُحْكَمَات .

 

 

وَ مِنْ خُطْبَة لَهُ عَلَيه السَّلامُ

 

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ ، وَطُولِ هَجْعَة مِنَ الاُْمَمِ وَاعْتِزَام مِنَ الْفِتَنِ ، وَانْتِشَار مِنَ الاُْمُورِ ، وَتَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ ، وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ ; عَلَى حِينِ اصْفِرَار مِنْ وَرَقِهَا ، وَإِيَاس مِنْ ثَمَرِهَا ، وَاغْوِرَار مِنْ مَائِهَا ، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى ، وَظَهَرَتْ أَعْلاَمُ الرَّدَى ، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لاَِهْلِهَا ، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا . ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ ، وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ ، وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ ، وَدِثَارُهَا السَّيْفُ . فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللهِ، وَ اذْكُرُوا تِيكَ الَّتِي آباؤُكُمْ وَ اِخوانُكُمْ بِها مُرتَهَنُونَ، وَ عَلَيها مُحاسَبُونَ. وَ لَعَمرِي ماتَقادَمَتْ بِكُمْ وَ لا بِهِمُ العُهُودُ وَ لاخَلَتْ فِيما بَينَكُمْ وَ بَينَهُمُ الاَحقابُ وَالقُرونُ، وَ ما اَنتُمُ اليَومَ مِن يَوم كُنتُمْ فِي اَصلابِهِم بِبَعِيد.